“رجال الأعمال الفقراء” .. معرشات البطيخ و سيارات الخردة و”براكيات القهوة” لما لا ؟!


05 / 08 / 2013

وليد شنيكات / مضمون جديد
لم يكن لأسرة محمود رشود المكونة من خمسة أفراد أية وظيفة في الحكومة يعتاشون من ورائها، رغم أن ابنها الأكبر معتز أنهى سنوات تخرجه من الجامعة الأردنية قبل ست سنوات في تخصص القانون ولم يجد عملا حتى الآن.
وتشير احصائيات رسمية الى أن معدلات البطالة بازدياد وأعداد الخريجين من الجامعات لا تكاد تتوقف بسبب الإقبال المضطرد للدراسة الجامعية وفي حقول تعليمية لا يرغبها سوق العمل غير أن هذا الحال لم يغير من ثقافة الناس شيء.
ودفعت الظروف المعيشية الصعبة التي يحياها معتز وعائلته الى اقامة “معرش بطيخ” على جانب الطريق للوفاء بمتطلبات اسرته، رغم رفض والده المتواصل للفكرة والذي يفضل تعيين إبنه في احدى الدوائر الحكومية، غير أن معتز يرى في انتظار تعيين ديوان الخدمة المدنية مضيعة للوقت.
وبالفعل أصر معتز على فكرته وهو الآن من افضل باعة البطيخ لدى كثير من الزبائن الذين يفضلون الشراء من معرشه المتواضع على إحدى الشوارع العامة، لكنه يمح الى التوسع في مشروعه عير عشراك بقية إخوته الصغار، فالحال لا يرحم كما يقول لمضمون جديد.
ويستمر معتز البالغ من العمر ثلاثون عاما في سرد حكيته قائلا “أصحو مبكرا وذاهب الى السوق المركزي وأشتري”سيارة بطيخ” من أحدى التجار، وفي مرات عديدة يتم ذلك عن طريق الأقساط، لكن الوضع جيد ويسد رمق العيش وأنا سعيد
الآن وخاصة بعد أن توسعت في مشروعي واقمت العديد من معرشات البطيخ التي يشرف عليها بقية أخوتي الصغار.
وحال اسرة محمود رشود لا تختلف عن حال كثير من السر الأردنية التي تفضل العمل في المشاريع الصغير، وبالطبع ليس من باب الترف انما هي الحاجة، فكريم سعادة لم يكن من الجوعى عندما اقام غرفة صغيرة من “صفيح الزينكو”
على الطريق الواصل بين الفحيص وعمان لبيع القهوة والمشروبات الباردة على سائقي السيارات والباصات والمارة من أمام “براكيته” المتواضعة.
ويقول كريم سعادة لمضمون جديد أنه فشل في الحصول على شهادة الثانوية العامة أكثر من ثلاث مرات، حتى قرر بعدها في البحث عن عمل يعينه على الحياة وهو أبن لأسرة تتألف من ثمانية أفراد غاب عنها الوالد في وقت مبكر بعدما أصيب بمرض السرطان أقعده الفراش سنوات ما لبث أن فارق الحياة.
وأنت تجول ببصرك على جوانب الطرقات الخارجية تلحظ زحام الباعة ان لم يكن في مجال بيع القهوة والبطيخ، فبالتأكيد “بكبات” بيع الخس والبندورة والبطاطا، ولم يكتف أصحاب هذه التجارة بالشوارع الرئيسية لتسويق
منتجاتهم، فهم يذهبون الى القرى النائية عبر مكبرات الصوت، وهي تلاقي رواجا بسبب انخفاض أسعارها وارتفاع الأسعار في المحلات الصغير، “الكاكين”، ويتعدى الأمر الى حد بيع بيض الدواجن البلدية والملح ومنظفات
الجلي قليلة الثمن، الى جانب الأقمشة والملابس المستعملة.
وغير بعيد عن هذا كله رواج شراء المواد القديمة من معادن وخردوات وقطع حديدة حسب الوزن حيث لا يكاد يمر يوم من دون ان تصدف سيارات “البكب” وأصحابها يناديون اما عن طريق مكبرات الصوت المثبتة أعلى السياره قائلين
“حديد نحاس قناني فاضية للبيع” وعادة من يبيع هذه الأشياء هم الصغار حتى وأن كان بعلم اهاليهم، وفي مرات عديدة يقوم المشترين باستبدال هذه المواد “بأسماك الزينة” مثل أن يأخذ وعاء قديما ويدفع مقابله سمكة صغيرة أو كبيرة وذلك حسب ما يقدم الباعة الصغار.
ويعتبر صادق براهمة هذه “الوظيفة” مجدية بعد تردي الأوضاع المعيشية والإقتصادية في الأردن، وتنامي معدلات الفقر وارتفاع الأسعار بشكل يومي.
ويقول براهمة لمضمون جديد “الناس ملت من الوعود الحكومية وتحسين أوضاعهم المعيشية، وهم لا يصدقون كل ما يقال لهم لأنهم صاروا يكفروا بما يقوله المسؤولون لأنها مجرد وعود كاذبة لا أكثر”.
ويتساءل براهمة” أيهما أفضل الجأ الى السرقة والنهب ام افترش الأرض لبيع الأشياء الصغيرة من أدوات زينة والسكاكر والمكسرات لحفظ كرامتي من العوز وتلافي الجوع”.
ويقول أيضا “كل صباح اصطحب اخي الصغير عن إحد جسور المشاه لبيع العلكة والبسكويت على الناس، وفي مرات عديدة نعود الى المنزل ولا نبيع الشيء الكثير، لكن ماذا نفعل، فليس في اليد حيله بعد أن تخلت الحكومة عنا.
وتعد هذه التجارة رائجة على نحو لافت منذ أكثر من عشر سنوات، كبديل لوقف زحف الفقر والجوع الذي يطرق أبواب الفقراء والمساكين في مساحات شاسعة من البلاد، وهي تجارة غير رسمية ولا تحتاج الى كثير من الموافقات الرسمية،
باستثناء ما ينتشر في المدن الرئيسية، حيث يقوم موظفون رسميون بملاحقة هؤلاء الفقراء ويطاردونهم في أرزاقهم وأقواتهم اليومية.
وقد شجع رواج هذا النوع من التجارة الكثيرين على العمل وكسر ثقافة العيب التي ظلت تحاربها الحكومات لكن بلا طائل، بينما الآن الوضع مختلف، فتجرع الدواء المر، أفضل من العيش مع المرض لسنوات طوال، بيد أن هذا النوع من التجارة لا يسلم من الصعوبات أو المعيقات خاصة أؤلئك الذين يذهبون الى القرى البعيدة لبيع منتجاتهم من خضار وغيره حيث يجابهون
بمحاربة اصحاب الدكاكين الصغيرة الذين يرون في باعة سيارات “البكب” مضرة لهم حيث يبيعون بأسعار قليلة قد تؤدي الى كساد بضاعتهم، الى جانب أن تزاحم اصحاب هذه التجارة في أماكن معينة قد يؤدي الى نشوب خلافات مما يستدعي تدخل رجال الأمن.