موجز أخبار راديو البلد
  • "صلح عمان": تمديد توقيف المتهمين بقضية حادثة البحر الميت لمدة أسبوع
  • "النقد الدولي" يخفض توقعاته للنمو الاقتصادي الأردني للعام الحالي إلى 2.3%
  • هيئة الاستثمار: 9 طلبات للحصول على الجنسية من أصحاب مشاريع قائمة في المملكة
  • دراسة: الأردن وسورية على وشك استنفاد مواردهما الطبيعية
  • الشواربة: تشكيل فريق لدراسة ظاهرة التغير المناخي ومدى تأثيره على العاصمة
  • صدور أول قرار قضائي بتدبير الخدمة الاجتماعية على أحد الأحداث
  • القبض على 4 أشخاص بحوزتهم عملات معدنية أثرية في الزرقاء
  • إقليميا.. فشل مشاورات مجلس الأمن الدولي، حول العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة
  • وأخيرا.. يطرأ انخفاض طفيف على درجات الحرارة نهار اليوم، وتكون الأجواء باردة نسبياً وغائمة جزئياً إلى غائمة
“كوباني” تقاوم مدافعةً عن “عين العرب”
الياس فركوح
2014/10/18

هنالك ما يستوقف المرء، إذا شاء التأمل وعدم طمس المسألة تحت التراكم المتلاحق للأحداث، في طبيعة المقاوَمة الضروس التي يُبديها المقاتلون الأكراد دفاعاً عن مدينتهم “كوباني”، بحسبهم، أو “عين العرب”، بحسب التسمية العربية السورية. فهم، خلافاً لمجمل اجتياحات تنظيم “داعش” السريعة – بل الخاطفة بما يثير الريبة في مجمل الأمر،لعديد مناطق في سوريا والعراق (وخاصةً العراق)؛ كان أن جعلوا من المدينة المستبسلة في مقاوِمتها بؤرةً تتركز عليها أنظار العالم. كما أجبروا جميع المراقبين، من خبراء استراتيجيين إلى متابعين لأحداث المدينة اليومية كأمثالي، على إعمال الفكر في أبعاد هذه الشراسة المقاتلة غير الهَيَّابة، غير المستسلمة، غير المُذعنة. شراسة ترفض منطق خضوع الضعيف وخنوعه أمام الترهيب الداعشي الدموي، وتعمل على تحطيم آليَّة “الأسطرة الدعائية/ الإعلامية” لهذا “التنظيم”، قبل أن تتحوَّل إلى واحدة من بديهياتنا المفروضة علينا.

قد تنفد ذخيرة أسلحة مقاتلي “كوباني” المتواضعة، فلا يتبقى لهم سوى قبضاتهم سلاحاً أخيراً. قد تحترق “كوباني” تحت نيران آليات داعش الثقيلة وتتفحَّم. قد تُختَرَق “كوباني” من شرقها وغربها، من شمالها وجنوبها– إنها طَعَنات الدول الكاذبة، والجار العثماني الشامت صاحب الحسابات/ الضد. قد تسقط “كوباني” إثر نزيفها الطويل وتصعد عمود دماء هائل نحو السماء. كلّ هذا قد يحدث، غير أنَّ المتأمل لا يسعه التغافل عن أكثر من معنى بدأت “كوباني” بكتابته.

المعنى الأوّل: إنَّ مقاومة هذه المدينة الكردية نابعة، في شراستها وعِنادها رغم عدم تكافؤ القِوى بالمعيار التسليحي، من أنها إنما تقاوم دفاعاً عن “ذاتٍ جَمْعيَّة” تأبى الاستسلام لتحويلها إلى مجرد “موضوع” مُستباح للآخرين. مدينة تُشْهِرُ هويتها الخاصة في وجه العالم وتؤكدها مع كل قتيل دافعَ عنها، لكنه، في الوقت نفسه، كان يثأر لبلداتٍ وقُرىً أخرى سقطت لأنها افتقرت لعناصر المقاومة. يثأر ويُعيد لها الاعتبار والكرامة.

المعنى الثاني: إنَّ مقاومة هذه المدينة، في عُمق مدلولها، إنما يؤشِّرُ على أنَّ وراءها فكرةٌ متوهجةٌ

لا تزال حيَّة. فكرة/ هدف قوميّ استقلاليّ مشروع يأبى الانحشار داخل زنازين المذهبيّة، والطائفيّة، والدينيّة، خِلافاً لاتجاه الأطراف المتصارعة منذ سنوات فوق الأرض. وبالتالي؛ فإنَّ معركتها لا يمكن أن تُقرأ إلّا بوصفها معركة خالية من أيّ شُبهات.

المعنى الثالث: إنَّ مقاومة هذه المدينة، ولكونها خالية من التباسات سواها مما نشهده الآن، فإنها الوحيدة التي تستحق اسمها. فهي معركة حقيقية تقاوم من أجل وجود البَشَر وتكريس الحياة، بينما سواها لا يعدو أن يكون “تعاركاً” مشبوهاً للخروج بـ”غنائم” القويّ الغازي المنهوبة من الضعيف. وهذا، في ذاته، يقودنا إلى أنّها معركة في سبيل الحرية والديمقراطية حقاً. الحرية في إعلان الهوية، والديمقراطية في كيفية تدبُّر المجتمع لحاجاته الإنسانية.

المعنى الرابع: إنَّ واحدةً من الشهادات المُشَرِّفة التي قدّمتها هذه المدينة، مشاركة المرأة للرجل في معركة الدفاع عن الحياة مشاركةً قِتاليةً حقيقيةً حتّى الموت. وبذلك؛ فإنَّ مساواة المرأة بالرجل تحققت بِضَفْر الشعار بالتطبيق. ولعلّها واحدةً من أبرز سِمات البعد الإنساني في معركة المدينة.

المعنى الخامس: إنَّ جوهر هذه المعركة الضروس يتمثَّل في كون “كوباني” تُشَخِّصُ الصِدق والواقع الفعلي في فكرتها/ هدفها/ مشروعها، بعيدةً (لا بل نقيضةً) للدّجَل السياسي المتسربل بـ”أثواب” دينية مُصابة بالتحريف، وسيلةً وغايةً في الوقت نفسه. وبالتالي، فإنَّ وراءها نُبْلاً وواقعيةً أرضيّةً كنقائض للتدليس وإغراق المجتمع بتهويمات وأوهام بحجَّجٍ تدّعي الانتماء للسماء.

المعنى السادس: إنَّ “كوباني” المدينة ليست سوى الممثلّة لآمال شعب توافقت كافة شرائحه عليها، وقامت بتكريسها في حزبٍ قوميّ يساريّ بقيادةٍ مختارة جَماعية، بينما تتربَّص بها قياداتٌ ذات مواصفات شخصية مرتبطة، حتماً، بمصالح دُوَلٍ وغايات فئات تتعدى الأوطان وتعتدي عليها وعلى أبنائها.

وليس أخيراً، هنالك ما يمكن لي أن أراه كالتالي:

في الوقت الذي تحاول فيه مجموعة أطراف “تسمين” داعش ورفعها لتصبحَ أيقونةً متأسلمةً تحاذي الأسطورة، تقف “كوباني” متصديةً لهذا “التصنيع” لتحطّمه بمقاومتها وصمودها، واهبةً نفسها مَثَلاً ممسوكاً باليد والعقل والمنطق سيتحوَّل، من تلقائه، إلى أيقونة شعب وأسطورة حياة – إذا ما انتصرت أو هُزِمَت.

فالأسطورة لا تكون أسطورة حقاً إلّا بتوفر عنصرين: النُبْل والعدالة في خوض المعارك، والفجيعة إذا ما انتصرت النذالة والقوى الغاشمة.

إنَّ “كوباني” إذ تقاتل من أجل حياتها فإنما تقاتل، في الساعات والأيام نفسها، من أجل “عين العرب” وحمايتها من مخارز “داعش” وغيره وغيره وغيره.

 

  • كاتب وروائي. حاصل على جائزتي الدولة التقديرية والتشجيعية في حقلي القصة القصيرة والرواية.

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.