موجز أخبار راديو البلد
  • "صلح عمان": تمديد توقيف المتهمين بقضية حادثة البحر الميت لمدة أسبوع
  • "النقد الدولي" يخفض توقعاته للنمو الاقتصادي الأردني للعام الحالي إلى 2.3%
  • هيئة الاستثمار: 9 طلبات للحصول على الجنسية من أصحاب مشاريع قائمة في المملكة
  • دراسة: الأردن وسورية على وشك استنفاد مواردهما الطبيعية
  • الشواربة: تشكيل فريق لدراسة ظاهرة التغير المناخي ومدى تأثيره على العاصمة
  • صدور أول قرار قضائي بتدبير الخدمة الاجتماعية على أحد الأحداث
  • القبض على 4 أشخاص بحوزتهم عملات معدنية أثرية في الزرقاء
  • إقليميا.. فشل مشاورات مجلس الأمن الدولي، حول العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة
  • وأخيرا.. يطرأ انخفاض طفيف على درجات الحرارة نهار اليوم، وتكون الأجواء باردة نسبياً وغائمة جزئياً إلى غائمة
تجريم “الإضراب”؛ خطوة إلى الوراء
أحمد محمد عوض
2015/06/04

 

 

تجرّم المقترحات الحكومية على قانون العقوبات الموظفين والعمال في القطاعين العام والخاص الذين يمارسون حقهم في الإضراب في العديد من القطاعات الاقتصادية بالغرامات المالية والسجن، في وقتٍ كان يتوقع فيه ناشطون نقابيون وحقوقيون تعديل المنظومة التشريعية الناظمة للحق في العمل، والحقوق المرتبطة به، مثل: الحق في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية باتجاه مزيد من الفاعلية، بهدف تجاوز اختلالات كبيرة تعاني منها علاقات العمل -أهم العلاقات الاجتماعية- ومن شأنها تهديد الأمن الاجتماعي والسياسي.

 

يتعارض ما ورد في نص المادة (183 مكرر)، في مقترح قانون العقوبات، بجوهره مع جملة من المبادئ الحقوقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي تكفل للمواطنين حقوقهم الإنسانية، وتضمن سلاسة عمليات التحول السياسي والاجتماعي الذي يشهده الأردن بشكل سلمي وتدرجي.

 

حقوقياً، يعد “الإضراب” أحد الحقوق الإنسانية ذات الطبيعة المزدوجة، والمنصوص عليها في العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو من الحقوق الفورية التنفيذ. ويعتبر الاضراب بمختلف أشكاله جزءاً أساسياً من الحق في التجمع السلمي المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو كذلك شكل من أشكال حرية التعبير عن الرأي المكفول في العهد ذاته.

 

وقد اشترطت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الدول الأطراف في العهد المذكور (والأردن جزء منها منذ عام 2006) بأن تعترف به في قوانينها الوطنية الناظمة للإضراب بشكل واضح ومحدد. وأدانت اللجنة القيود القانونية الكثيرة أو الشديدة التي تفرضها بعض دول الأطراف على ممارسة الحق في الإضراب، مؤكدةً أن الإشارة الواردة في المادة (8/ 1/ د) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرامية إلى أن ممارسة هذا الحق تتم وفقاً للقانون الوطني، لا يمكن فهمها أو تفسيرها على أنها تمنح الدول الأطراف، سلطة تقديرية مطلقة في فرض قيود قانونية عليه، تعرقل ممارسته.

 

ورأت أن دول الأطراف ملزمة بإزالة القيود التي لا تكون ضرورية جداً لتعزيز الرفاه العام في مجتمع ديمقراطي، أو لحماية الأمن الوطني، والنظام العام، والصحة وحقوق الآخرين. ووضعت منظمة العمل الدولية كذلك معايير دولية موضوعية تنظم ممارسة الحق في الإضراب، ووفقاً للمادة (8/3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا يجوز لدول الأطراف في العهد أن تنتقص من الحماية المقررة في معايير العمل الدولية.

 

وأجازت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولجنة الحريات النقابية التابعة لمنظمة العمل الدولية للمشرعين وضع بعض القيود على ممارسة هذا الحق، ومنها القيود المتعلقة بالخدمات والمرافق الأساسية، التي يضر غيابها بحياة الأفراد، أو بصحتهم أو بسلامة جميع السكان أو جزء منهم، ومنها: المستشفيات، الكهرباء، المياه، الاتصالات، الضابطة العدلية، السجون، الرقابة على الطيران.

 

ربطت الهيئات القانونية الدولية هذه القيود بجملة من الإجراءات، تمثلت في توفير الضمانات والحمايات المناسبة للحفاظ على مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية وسرعة الاستجابة لمطالبهم، لتعويضهم عن تقييد حرية تحركهم لتحسين شروط عملهم وحياتهم. وكذلك توفير إجراءات وآليات مفاوضة جماعية فعالة تشمل الوساطة والتحكيم السريعة التوافقية وغير منحازة.

 

إلى جانب ذلك، سمحت اللجان القانونية الدولية المذكورة فرض قيود على ممارسة الحق بالإضراب في حالات الطوارئ المرتبطة بأوضاع استثنائية تنطوي على غياب الحياة الطبيعية أو المعتادة للمجتمع مثل الحرب، والنزاعات المسلحة الداخلية والحروب الأهلية، والكوارث الطبيعية أو الصحية. واشترطت أن يكون هناك جهاز مستقل يقرر وجود هذه الحالة، ولا يترك الأمر لمطلق السلطة التقديرية للحكومة، مشترطة أيضاً توافر شروط أخرى تتمثل في مجتمع ديمقراطي، والنص على هذا القيد في القانون.

 

وعلى المستوى الوطني، كفل الدستور الأردني حق العاملين ضمناٍ بممارسة حقهم بالإضراب من خلال المادة (128/1)، التي نصت على أنه “لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها”. ونظم قانون العمل الأردني في المواد (134، 135، 136) ونظام شروط وإجراءات الاضراب رقم (8) لسنة 1998 عمليات الإضراب، وطلب من العاملين في القطاعات الحيوية الإبلاغ عن موعده قبل أربعة اسابيع من موعده، وليس منعه.

 

وعليه، فإن التعديلات الحكومية المقترحة على قانون العقوبات، والتي تجرم خلالها الموظفين والعاملين في الرعاية الصحية والكهرباء والمياه والهاتف والتعليم والقضاء والنقل، مخالفة للمعايير الدولية ذات العلاقة، فهي وإن كان بعضها ضمن القطاعات الحيوية التي يجوز فيها وضع بعض القيود المشروطة بإجراءات تعوض العاملين فيها عن الحرمان من ممارسة الحق في الاضراب، لأن الحكومة لم تقم بإصدار تشريعات وسياسات توفر هذه الضمانات.

 

إن عمق الاختلالات في علاقات العمل الناجمة عن ضعف شروط العمل اللائق (من الأجور المنخفضة، وانخفاض مستويات الحماية الاجتماعية، والضعف الشديد في أداء غالبية النقابات العمالية القائمة، في توفير الحماية لغالبية العاملين وتحسين شروط عملهم، وحرمان غالبية العمال من ممارسة حق التنظيم النقابي، وغيرها من معايير العمل) تهدد الأمن والسلم الاجتماعيين.

 

عبرت هذه الاختلالات عن نفسها باتساع رقعة الاحتجاجات العمالية خلال السنوات الخمس الماضية، وإذا ما تم حرمان العاملين في القطاعين العام والخاص من ممارسة حقهم في الإضراب باعتباره أداة سلمية للاحتجاج على شروط العمل والمطالبة بتحسينها، فإن ذلك سيدفعهم لاستخدام أساليب غير سلمية للاحتجاج على ظروف العمل القائمة والمطالبة بتحسينها.

 

وحرمان العاملين من ممارسة حقهم في الإضراب، إلى جانب حرمانهم من ممارسة حق تشكيل نقابات فعالة ومستقلة وديمقراطية، يعمق التفاوتات والاختلالات الاجتماعية، ويمنع بناء توازنات اجتماعية بين مختلف مكونات المجتمع، وهذا التوازنات هي الضامن الأساسي للمحافظة على الأمن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وبالتالي الاستقرار الأمني.

 

إنفاذ التعديلات على قانون العقوبات يحرم قطاعات كبيرة من المواطنين من حقوق إنسانية أساسية لها تأثيرات اجتماعية واقتصادية كبيرة على المجتمع، فالحق في التجمع السلمي والاضراب والتعبير عن الرأي مرتبطة بشكل كبير مع بعضها بعضاً. ولأننا نفهم أن أهداف عملية الإصلاح السياسي تتمثل في تمكين المواطنين من التمتع بحقوقهم الإنسانية الأساسية، فإن ذلك يشكل تراجعا ملموساً عن مسيرة عملية الإصلاح التي أعلن الأردن أنه اختارها، وهي خطوة تهدد مستقبل الأردن الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

 

كان الأولى بالحكومة التعامل مع موضوع كثافة الاحتجاجات والإضرابات العمالية بمنظور شمولي، يتم خلاله إصلاح مختلف سياسات العمل، بدءاً من تحسين شروط العمل المحرك الرئيسي الذي يدفع العاملين لممارسة الإضرابات، وإعادة النظر بشكل جوهري بآليات وأدوات المفاوضة الجماعية وفض نزاعات العمل وإدراج أدوات فعالة مثل الوساطة والتحكيم بشكل متوازن، وتمكين جميع العاملين في القطاعين العام والخاص من تنظيم أنفسهم في نقابات حقيقية تمثل مصالحهم وتدافع عنها، وتوفير ضمانات حقيقية للعاملين في بعض القطاعات الحيوية لتعويضها عن بعض القيود على ممارسة بعض حقوقها، وهو من شأنه أن يستجيب للحاجات الملحة للمجتمع، وللمعايير الدولية للعمل، وللنصوص الدستورية الأردنية وقرار المحكمة الدستورية رقم (6) لسنة 2013.

 

  • أحمد محمد عوض: باحث ومدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية.

 

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.