موجز أخبار راديو البلد
  • دراسة: نصف الفقراء توقفوا عن استهلاك سلع أساسية بعد رفع الضرائب
  • الكلالدة: قرار إعادة انتخابات الموقر بيد الحكومة وتحديد موعدها للهيئة
  • توجه لدمج ‘‘رخص المهن‘‘ و‘‘رسوم المكاتب‘‘ بقانون واحد
  • اغلاق وتوقيف 2100 مؤسسة غذائية منذ بداية العام
  • خمسة الاف واربع مائة جمعية خيرية في المملكة
علَم نظيف
تمارا خزوز
2017/07/24

تشكلت حركة احتجاجات شعبية في بولندا، في العام 1980، على يد مجموعة عمال مضربين في مرسى السفن سميت بـ”حركة التضامن”، وقد شكلت أرقاً حقيقاً للسلطات حينها بسبب النجاح والتأييد الذي حشدته.

جرى قمع الحركة بكل الوسائل؛ الدبابات، والاعتقالات، وسقط كثير من القتلى والجرحى، فابتكرت “التضامن” طريقة سلمية جديدة للمقاومة، إذ لجأ أهالي قرية “سويدنيكان”، في شرق بولندا، إلى مقاطعة نشرات الأخبار الرئيسية، الموالية للسلطة، والتي تنشر الأكاذيب، عن طريق وضع أجهزة التلفاز في عربات الأطفال أو على عربات يدوية كل يوم في موعد نشرة الأخبار الرئيسية، والخروج بها للتنزه، ومن لم يستطع الخروج وضع جهاز التلفاز المطفأ على النافذة.

هذه الطريقة نجحت، وتم تعميمها على كل أرجاء بولندا، وكانت كافية لإحراج السلطات، واستمرت المقاومة في اجتراح طرق بسيطة إلى أن انهار النظام في غضون سنوات.

هنالك إستراتيجيات للاحتجاج الشعبي في كل العالم، تسعى إلى تنظيمه وتأطيره، ليصبح حركة أو حزباً سياسياً يضع مطالب الناس على الطاولة السياسية، ويصل بالنهاية إلى تسوية ترضي المحتجين. وبالطبع تختلف طريقة تجاوب النظام السياسي مع تلك الاحتجاجات بحسب مرونته، ومستوى الديمقراطية فيه، فإما أن تحتوى أو تقمع.

من المؤسف أننا لم ننجح في مجتمعاتنا العربية بتأسيس هذا النوع من الثقافة الاحتجاجية المؤطرة، وحين سنحت الفرصة السياسية في “زمن الربيع العربي” انقلبنا على أنفسنا، وتحولنا إلى مجاميع بشرية متصارعة تعمل ضد مصالحها. قد يكون السبب في كل ما نعانيه هو تشوهاتنا التربوية والأخلاقية، فلا أذكر أننا تعلمنا يوما في مدارسنا كيف ننتقد مسألة أو نحتج عليها، وكانت الأفكار تفرض علينا فرضاً، ولم نتعلم فن اختيار ملابسنا على أقل تقدير، وبتنا متشابهين لا نحتفل بالاختلاف ونرفض التعدد، حتى كدنا نسمع الموسيقى نفيها، ونقرأ الروايات ذاتها!

نموذج التربية لدينا لم يُنضج مفهوم المواطنة، وجعلنا نخاف من السلطة والتغيير معاً، فأصبحنا غير مؤثرين ولا نعي معنى الشراكة، ولا نستوعب أسلوب المعارضة، التي تستعير نهج السلطة نفسه في الكراهية والإقصاء، ولا نمارس الاختلاف على البرامج والرؤى السياسية، فيصبح الاحتجاج مجرد صراخ واعتداء وقطْع طرقات.

الاحتجاج ليس بالضرورة أن يكون عنيفاً، إنما يجب أن يكون مؤثراً لأنه يتعلق بمصير الناس الذين يأملون صنع التغيير. في البيرو عام ٢٠٠٠ اعتاد آلاف المواطنيين على التجمع كل يوم جمعة في ساحة “مايو”، في العاصمة ليما، وتركز النشاط الأساسي على غسل العلَم كناية على أن الدولة والعلم قد باتا متسخين تماماً من كثرة الفساد، وعندما تحركت القوات الأمنية لتفريق الجموع صاح أحدهم: “كل ما أرغب فيه هو بلد نظيف”. امتدت الاحتجاجات لتشمل مناطق البيرو كلها، وبلغ عدد المشاركين مئات الألوف، وبعد خمسة أشهر تنحى الرئيس فوجيموري عن السلطة.

ونحن أيضاً كل ما نرغب فيه هو علم نظيف، ومواطن يعرف كيف يحتج ويعبر عن رأيه من دون اللجوء إلى العنف، وحركات وأحزاب تنقل همّ المواطن وتؤطره حتى يستجاب لها.

 

تمارا خزوز: صحافية وحقوقية أردنية حاصلة على ماجستير صحافة وإعلام حديث، وماجستير قانون التجارة الدولية، وناشطة في مجال الحقوق والحريات العامة.

المقال لا يعبر عن وجهة نظر الأتحاد الاوروبي او ميرسي كور إنما يعبر عن وجهة نظر كاتب المقال فقط

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.