موجز أخبار راديو البلد
  • "صلح عمان": تمديد توقيف المتهمين بقضية حادثة البحر الميت لمدة أسبوع
  • "النقد الدولي" يخفض توقعاته للنمو الاقتصادي الأردني للعام الحالي إلى 2.3%
  • هيئة الاستثمار: 9 طلبات للحصول على الجنسية من أصحاب مشاريع قائمة في المملكة
  • دراسة: الأردن وسورية على وشك استنفاد مواردهما الطبيعية
  • الشواربة: تشكيل فريق لدراسة ظاهرة التغير المناخي ومدى تأثيره على العاصمة
  • صدور أول قرار قضائي بتدبير الخدمة الاجتماعية على أحد الأحداث
  • القبض على 4 أشخاص بحوزتهم عملات معدنية أثرية في الزرقاء
  • إقليميا.. فشل مشاورات مجلس الأمن الدولي، حول العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة
  • وأخيرا.. يطرأ انخفاض طفيف على درجات الحرارة نهار اليوم، وتكون الأجواء باردة نسبياً وغائمة جزئياً إلى غائمة
“الجنرال” في شموخه
إلياس فركوح
2015/10/17

 

 

“أنا شخصية العجوز والبحر لهيمنغواي: لم أظفر إلّا بهيكل عظميّ!”

هذا ما قاله رَجُلٌ ليس كالرجال العابرين في الحياة عبور أشباحٍ لا يخلّفون وراءهم أثراً. ما قالته شخصية يجوز لأيّ متأملٍ موضوعيّ للتاريخ وضعها في مصاف الذين “يصنعون التاريخ”. ما قاله الجنرال ديغول الذي حفر لفرنسا، خلال الحرب العالمية الثانية، مساراً أخرجها من عار الهزيمة والاحتلال النازي، وأشركها في انتصار المقاومة والتحرير. ما قاله عَسكريٌّ عرف كيف يصوغُ معادلةَ الانتقال من بِزة الثكنات، إلى أناقة رئيس مدنيّ منتخَب استحق المكوث في الأليزيه عشر سنوات (1959- 1969). مَن رسمَ لفرنسا خطّاً مستقلاً عن الولايات المتحدة داخل أوروبا. لكنه، رغم ذلك كلّه، يُفضي بهذه الجملة المريرة أيام انسحابه فانعزاله وعزلته؛ إذ قرر الشعب الفرنسي إنهاء “دور” البطل، فاستجاب خاضعاً لنتيجة الاستفتاء.

 

لا أعتقد بأنه أمِلَ بمكافأة أخرى، إثر انتفاضة الطلّاب والعمّال، أيار1968، وتداعياتها؛ وإلّا ما نطق بتلك العبارة المريرة. لكنه ارتضى لنفسه الانسحاب، وبهدوء الراسخين فوق قمةٍ نحتها بيديه هو.

 

مَن يقرأ كتاب “سقوط السنديان”، المتضمن حواراً متصلاً بين الجنرال ديغول في شهور حياته الأخيرة، وأندريه مالرو، إنما يقرأ مونولوجاً مخترقاً للديالوج لا مثيل لأي كتاب يضاهيه. ليس ثمّة أسئلة تُطرح لا تمتلئ بإجاباتها (من كِلا الرجلين)، وليس ثمة إجاباتٍ تخلو من إحالات على التاريخ وشخصياته تتلبسها المساءلة!إنه كتابُ “حوار” فريد بين رَجُل ثقافةٍ وفكر يُعتبَر من أبرز علامات القرن العشرين، بالمقابل من رَجُلٍ تاريخيّ عجوز، تتداعى ظلال سنوات عمره عبر تلميحات، وتعليقات، واستعادات لا يتحلّى بها غير الحائزين على أعماق ثقافية مُصَفاة. ثقافة هادئة تحاور ثقافة أكثر هدوءاً، وأيّ حصادٍ يمكن جنيه أثناء القراءة وبعدها سوى هذه المتعة السلسة للذكاء والرهافة!

 

هذا كتابٌ مَرَّ مرور الكرام دون أن ينال ما يستحقه من تكريم! من دون حفاوة القراءة المحترمة للكلمة المضمخة بالجميل: بالذكي: بالمثقف: بالعارف: وبالدافع أيضاً لولوج شَجَن الماضي، المستعاد على وَقْع تخاطر رجلين ليس بمقدور المستقبل استعادتهما في صورتين تماثلهما!

 

كتابٌ جديد، صدر حديثاً؟

أبداً. كتابٌ مرَّ على نشر ترجمته للعربية بأداء د. سامي الجندي المميز 34 سنة! ياه! كلّ هذه السنين، ويكاد لا أحد يذكر أو يتذكّر كتاباً يحمل هذا الاسم! وربما ناشره كذلك: المؤسسة العربية للدراسات والنشر!

 

أكثر من سبب دفعني للكتابة عن هذا الكتاب. لا لتميّزه في موضوعه الفريد وحسب، أو لخصوصية “كاتبيه” كلُّ في مجاله، أو للفِطنة والتقاطات الذكاء العابرة لصفحاته الـ148؛ هذا بمجموعه واردٌ ومُغْرٍ، غير أنّ أمراً ظلَّ يقلقني طوال استغراقي في قراءته (أم غَرَقي؟) يتمثَّل في السؤال التالي:

لماذا لا يتحلّى رؤساء بلداننا، و”الزعماء التاريخيون” لأوطاننا الممجدة (المغسولة بالدم هذا الزمن والآيلة للتفتت)، بقليلٍ من ثقافة هذا الجنرال العجوز، واطلاعه الواسع والعميق المتأمل المُسائل للتاريخ والمتسائل عنه في الوقت نفسه؟ لماذا لا يفهمون التاريخ ومعانيه، فينسحبون من المسرح، وبهدوء الراسخين حقاً فوق قممهم المنحوتة بأيديهم، عندما تطالبهم شعوبهم، واللحظة التاريخية، فيفعلون؟

 

لا أكتب في السياسة، غير أنّ السياسة المخاتلة في كل صفحة في الكتاب المثقف “سقوط السنديان”، تسحبني نحوها، فأشير إليها رغماً عني! لا، لستُ مرغماً هنا بقدر انضباطي في أحد سياقات التجوال الفسيح لاقتباسات واندياحات ذاكرتين مشبعتين بأحداث باتت مسطورةً في كتاب التاريخ الذي لم يغفلهما، فكانا في أوراقه المضيئة بامتياز.

 

أكتب عن كتابٍ طاله الظلم لأنبِّهَ وأنصح بقراءته، معترفاً بأني أجّلتُ فعل هذا مذ اشتريته في 7/12/1981! كتابٌ تنقل على رفوف مكتبتي أكثر من مرّة من دون أن يغيِّر من كلماته حرفاً واحداً. كتابٌ انتظرني أربعة وثلاثين عاماً بصبرٍ وأمل! كتاب كبرَ كلّما كبرتُ أنا! كتابٌ تكثفت قيمته المعرفية عبر السنين، بينما زاد وثوقي من تناقص معرفتي بعد كلّ هذه السنين.

 

قد يسقط “السنديان”، لكنه يبقى سندياناً شاهداً على هشاشة سواه من أعشابٍ/ كتبٍ لا تماثله في شموخه.

 

إلياس فركوح: كاتب وروائي. حاصل على جائزتي الدولة التقديرية والتشجيعية في حقلي القصة القصيرة والرواية.

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.