موجز أخبار راديو البلد
  • "صلح عمان": تمديد توقيف المتهمين بقضية حادثة البحر الميت لمدة أسبوع
  • "النقد الدولي" يخفض توقعاته للنمو الاقتصادي الأردني للعام الحالي إلى 2.3%
  • هيئة الاستثمار: 9 طلبات للحصول على الجنسية من أصحاب مشاريع قائمة في المملكة
  • دراسة: الأردن وسورية على وشك استنفاد مواردهما الطبيعية
  • الشواربة: تشكيل فريق لدراسة ظاهرة التغير المناخي ومدى تأثيره على العاصمة
  • صدور أول قرار قضائي بتدبير الخدمة الاجتماعية على أحد الأحداث
  • القبض على 4 أشخاص بحوزتهم عملات معدنية أثرية في الزرقاء
  • إقليميا.. فشل مشاورات مجلس الأمن الدولي، حول العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة
  • وأخيرا.. يطرأ انخفاض طفيف على درجات الحرارة نهار اليوم، وتكون الأجواء باردة نسبياً وغائمة جزئياً إلى غائمة
عالقون في ممر البيت
محمود منير
2016/05/01

 

 

ساد منذ منتصف القرن العشرين نمطُ بناءٍ محدد في معظم المدن والقرى الأردنية، وبلدانٍ مجاورة أيضاً، يشترط تشييد صالةٍ تنفتح عليها جميع الغرف (واحدة أو اثنتين أو ثلاث بحسب المستوى الاجتماعي) وبقية المرافق، وبالطبع كان لغرفة الضيوف باب آخر يطلّ على “البرندة”، التي يتوسطها مدخل البيت الرئيسي ومنه يعبر أهله إلى الصالة المذكورة.

 

ولأن العمارة في شكلها ووظائفها تعكس علاقات السلطة في كل المجتمعات، فمن البديهي أن يوافق هذا النموذج منها الحضورَ الطاغي للأب في ثقافتنا، إذ تحرِم تلك الصالة المركزية وجود خصوصية لأي فرد من أفراد العائلة الذين يمنعون من إغلاق أبواب غرفهم، في أغلب الأوقات، وتستثنى من ذلك غرفة نوم الوالدين ليس لأسباب تتعلق بقضائهما لحظات خاصة، إنما لأن خزانتهما قد تحتوي أطعمةً ومواد لا تخرج منها إلاّ بإذن الأب وحده.

 

الصالون – كما نفضل تسميته- مفردة مستعارة من اللغة الإيطالية تحديداً قبل أن تتسرب إلى لغات غربية وشرقية، لم يُخصص لوظيفةٍ واحدة لدينا، فالأبواب الكثيرة المشرعة عليه تحول دون استخدامه غرفة معيشة، لذلك قد يؤثث في الشتاء بعدد من الفرشات (استبدلت بكراسي أو كنب في فترة لاحقة)، ثم تُرفع صيفاً، ليبدو أشبه بموزّع (كوريدور)، وربما نام فيه الأولاد الذكور، بالنظر إلى اعتماد غرفة النوم الثانية للبنات، أو يتخذه الجد أو الجدة مجلساً دائماً إذا أقاموا مع الأسرة، أو قضوا أياماً معينة بشكل دوري في منازل أبنائهم تقاسماً لمسؤولية رعايتهم.

 

وكانت رباّت البيوت اللواتي يقمن بعملّ إضافي، كالحياكة تحديداً، يستخدمن الصالون لاستقبال الزبونات، فيضعن ماكينة الخياطة المعدنية السوداء (ماركة سينجر المعروفة) في ركنٍ منه، ليقابلها عدد من الكراسي، ولم يكن اجتماع النسوة فيه يقتصر على تفصيل الأثواب وقياسها، بل كانت تطول الزيارة، أحياناً، لتشمل تداول الأخبار والنميمة.

 

من المألوف أن يُستفاد منه لاستضافة الولائم في المناسبات الاجتماعية، وأن تقام كذلك حفلة وداع بنات العائلة عند تزويجهن في هذه الصالة، أو في مثيلاتها لدى الأقارب أو الجيران، إذا كانت مساحتها أوسع، قبل أن تتغير الأعراف ويُنقل هذا الطقس إلى صالات تجارية.

 

لا بدّ من الإشارة إلى تعديل أجراه سكّان هذه البيوت تمثّل في تغطية البرندات المكشوفة بالنوافذ الزجاجية لكسب غرفة أخرى للضيوف، في الثمانينات، حين بدأ فصل الرجال عن النساء، بدعوى منع الاختلاط الذي نادى به متشددون استوردوا الوهابية، وتطلّب الأمر تعديل أبنية وسلوكيات وعادات!

 

نما التعصب الديني في الوقت الذي جرى فيه استعارة نمط البناء الغربي، فتحوّلت الصالة إلى غرفة معيشة بمدخلٍ يصلها بموزع (كوريدور) يؤدي إلى بقية غرف النوم (اثنتين او ثلاثة أو أربع)، من دون أن يحدث هذا التغيير الشكلي تحولاً حقيقياً في علاقات ساكنيها، فتراجع سلطة الأب المطلقة لم يأت بحوارٍ وتقبل الآراء والشخصيات والأدوار المتعددة ضمن العائلة الواحدة.

 

بقي المطبخ ومعه الأعمال المنزلية مسؤولية الأم وبناتها، أو جرى استقدام خادمة آسيوية كشفت عيوباً أكبر في ما يخص نظرتنا إلى الآخر وتشوّه منظومة العمل بكاملها، ومن جهة أخرى لم تُوجد الخصوصية المفتقدة لكل فرد في الأسرة رغم توفر مساحات إضافية في مساكننا، التي تؤمّن هوامش سرّية واسعة للأبناء فقط، مقابل تكريس الوصاية على العقول بمسميات متعددة.

 

ومن اللافت أن إصرارنا على مسكنٍ رحب، خلافاً لشعوب أكثر رفاهية وغنى، هو مؤشر على أزمة أعمق تتصل بفقدان مدننا العربية لفضاءات عامة من حدائق وملاعب ونوادٍ وغيرها، ما يضطرنا للتعويض عنها في المنزل.

 

لقد كانت غرفة “ملتبسة” شيّدناها في بيوتنا القديمة وأطلقنا عليها اسم “صالون” وعشنا ارتباك وظائفه العديدة مدة طويلة، ولا زلنا إلى اليوم عالقين في ذلك الممر.

 

محمود منير: كاتب وصحافي. محرر “تكوين” في عمان نت.

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

  1. رائد شنيقات
    2016/05/01

    رائع محمود
    نعم نحن ما زلنا عالقون

  2. عباس ابوريا
    2016/05/01

    عالقون في ثقافتنا و موروثنا و مروياتنا و التي انعكست على اغلب تفاصيل حياتنا اليوميه اما من حيث الطراز المعماري في بيوتنا فنسبة اشغال تلك القاعات باتت ضئيله جدا مقارنه مع نسبة الزيارات الاجتماعيه و الجلسات العائليه حتى اصبحت جزء من الكماليات و الزينه فقط في مجتمع يشهد تفككيه سلبيه في اغلب تفاصيل يومياته

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.