موجز أخبار راديو البلد
  • "صلح عمان": تمديد توقيف المتهمين بقضية حادثة البحر الميت لمدة أسبوع
  • "النقد الدولي" يخفض توقعاته للنمو الاقتصادي الأردني للعام الحالي إلى 2.3%
  • هيئة الاستثمار: 9 طلبات للحصول على الجنسية من أصحاب مشاريع قائمة في المملكة
  • دراسة: الأردن وسورية على وشك استنفاد مواردهما الطبيعية
  • الشواربة: تشكيل فريق لدراسة ظاهرة التغير المناخي ومدى تأثيره على العاصمة
  • صدور أول قرار قضائي بتدبير الخدمة الاجتماعية على أحد الأحداث
  • القبض على 4 أشخاص بحوزتهم عملات معدنية أثرية في الزرقاء
  • إقليميا.. فشل مشاورات مجلس الأمن الدولي، حول العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة
  • وأخيرا.. يطرأ انخفاض طفيف على درجات الحرارة نهار اليوم، وتكون الأجواء باردة نسبياً وغائمة جزئياً إلى غائمة
عمّان تغرق في “المجاري” والغيظ
محمود منير
2016/08/02

 

أقف في شارع المدينة المنورة، المسمّى بـ “شارع الجوعانين”، وفيضُ مياه الصرف الصحي العادمة قبالة المطاعم المتراصفة صفاً طويلاً، وألوان الأوساخ وآثارها تبقّع أرض المكان، والرائحة الكريهة انتشرت وغطّت على ازدحامه، وحتى على محتكري الحقيقة الذين يتولون توزيع الرحمة على البشر بحسب مذاهبهم وأديانهم.

لنترك الغيب وتفسيراته، ونعود إلى الواقع وأسئلته: من منَح أكثر من 50 مطعماً رخصة تنظيمية في شارع لا يتجاوز طوله 2 كيلو متراً (من دوار الكيلو إلى مستشفى الجامعة)؟ ولم يلتفت إلى أن ذلك يشكّل وصفة دائمة للازدحام لعدم توفّر مساحات كافية لاصطفاف السيارات التي أتى أصحابها لشراء وجباتهم، حيث تقدّر أمانة عمّان الكبرى عدد  المركبات التي تسلك المسربين من الشارع بنحو 100 ألف سيارة يومياً ترتفع أيام الخميس، ويظهر سريعاً أن كل محاولات “الأمانة” لتنظيم السير باءت بالفشل، ورغم ذلك نشهد كل حين افتتاح مطعم جديد.

ومن يُخبرنا إن كانت التمديدات الصحية تستوعب حجم ما تصرّفه هذه المنشآت، وبما قد ينجم عن تسرّبها من تلوّث للأطعمة المباعة وما قد يخلّفه من أمراض وأوبئة؟ علماً أن المارّة سينتبهون إلى أن كثيراً من أصحاب هذه المحال وغيرها، في المربع “الحديث” الذي يُطلق عليه عمّان الغربية، يلقون بمباه غير نظيفة مباشرة في الساحات الخالية أمام وخلف محلاتهم، خاصة في ساعات الليل المتأخرة.

شارع المدينة المنورة ليس استثناءً في انعدام التنظيم العمراني في عمّان، وما ينتجه من أزمات نقل ومياه وطاقة وكذلك من إنسان متشنج عصبي ّومتأهب للشجار بفعل الزحام وانخفاض مستوى الخدمات وتدني البنية التحتية مع مرور الوقت، وربما تستحق المسألة مناقشة مثال آخر، وهو شارع الخالدي الذي يحوي أكثر من مستشفى وتكتظ أبنيته بمئات المختبرات وعيادات الأطباء والصيدليات.

يحتاج المرء قرابة الساعة، في أوقات الذروة، لينتقل بسيارته من بداية شارع لا يتجاوز  طوله 1.5 كيلو مترا، إلى أي مجمع طبّي ينوي ارتياده، وسيصدم بقلّة أماكن الاصطفاف مع ازدياد عدد السكان في العاصمة، ونسبة المرضى منهم، وعليه ألاّ يتفاجأ إذا حاز مخالفةً لأنه ركّن سيارته في مكان غير مخصص، أو صُدمت مركبته على يد أحد موظفي الفاليه غير المؤهلين الذين ينتشرون في المنطقة.

في شارع الخالدي يتوّجه المرضى ومرافقوهم بأعصاب مشدودة لتلقي العلاج، وحتماً ستؤثر حالتهم النفسية وهم ذاهبون ورائحون سلباً عليهم، كما يلحّ السؤال عن مصابين ينقلون بسيارات الإسعاف إلى مستشفيات توجد في قلب الازدحام، وقد تسوء أوضاعهم الصحية أو تزهق أرواحهم قبل أن يصلوا إلى سرير الشفاء، وهو ما يعدّ انتهاكاً صارخاً لحق الإنسان في الحياة يقع بسبب الفساد وسوء الإدارة في تأسيس مدننا.

الحلول الترقيعية لأزمات “المدينة والمنورة” و”الخالدي” لن تنجح حتماً، حيث أن عمّان مثْل غيرها من مدنٍ فاشلةٍ في العالم الثالث حُرمت من تخطيط حضري تتشابه به جميع مدن العالم، إذ تنحصر الأسواق وأماكن العمل والترفيه في وسط المدينة الذي يرتبط بطرقٍ تؤدي إلى جميع الأحياء السكنية، ولا تُمنح أي تراخيص تجارية على هذه الطرقات، مع السماح بفتح بعض المحلات والمرافق التي تقدّم سلعاً وخدمات أساسية في كل حي.

احتشاد عمّان بمقاهٍ ومطاعم ونوادٍ ليلية ومولات، يقابله افتقاد للمنتزهات والمكتبات العامة والملاعب الرياضية والساحات وغيرها من الفراغات الحضرية، وربما أنتج غيابها إلى إمكانية التواصل الإنساني بين أهل المدينة، وأوصلنا التنافر والعشوائية في تنظيم الأحياء السكنية والتجارية إلى تكريس مواطن متعصبٍ في رأيه، ولا يقبل التعدد والاختلاف، فحيثما انتقل في مدينته سيقع على نسخة مشوهة واحدة للعمران تناسخت في معظم المناطق!

كارثة ماحقة أن لا نجد في المستقبل القريب مكاناً قابلاً للحياة من أجل تحقيق الإصلاح عليه وبناء عقد اجتماعي جديد ينظّم دولة حديثة، إذ ستغرق كل مدننا في المجاري ومجاميعها البشرية التي تسكنها في الغيظ.

 

محمود منير: كاتب صحافي. محرر “تكوين” في “عمّان نت”.

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.