موجز أخبار راديو البلد
  • النقابات المستقلة: تقييد مقونن على الحراك العمالي
  • حنيفات: إرساليات الخضار دخلت السوق القطرية
  • تحذيرات من السباحة في التجمعات المائية غير الآمنة بالاغوار
  • إقرار قانون رسوم تسجيل الأراضي و”الكسب غير المشروع”
  • وفاة سيدة وإصابة طفلين إثر حريق بالهاشمي
  • خو: إصابة 6 أشخاص بحادث تصادم
  • دوام في “الأحوال المدنية” الأحد
«الخائن» يسترجع أرضه من أسر التفرقة العنصرية
الحياة 2017/01/10

هذه السنة، نال بول بيتي جائزة «بوكر» المرموقة عن رواية «الخائن»، وهي وفق الانطباع الأول، رواية معقدة البنية فنياً. بدءاً، بعنوانها «الخائن» لا يطلعنا الكاتب على سبب منح بطل الرواية هذا اللقب إلا في خاتمتها. وثمة حوادث غامضة يوضح الكاتب بعد فصول عدة ما كان يرمي إليه منها. مثلاً، حين يدهن «الخائن» خطوطاً بيضاً طويلة على الطريق العام ويتجمهر حوله الناس، لا يفهم القارئ سبب هذا التصرف الغريب.

 

 

يروي أفريقي أميركي أحداثها بصيغة المتكلم. تدور القصة في أحد أحياء «لوس أنجليس» الفقيرة التي يقطنها السود، فتصوّر الفقر والسرقة والكذب الجهل والمخدرات في هذه البيئة. في مستهل الرواية يكون الراوي صبياً في العاشرة، والده متخصص في علم النفس، يجري على ابنه تجارب إن لم ينجح فيها الولد عاقبه بصدمة كهربائية، فيصاب الولد بإسهال شديد ونزيف من منخاريه. وكان الولد يتمنى أن يأتي «باتمان» لتخليصه.

 

 

كان عائداً إلى البيت ذات يوم فوجد جثة والده الذي كان قد أرداه الشرطي فقط لأن الوالد أخذ يعظ الشرطي وهو يسجّل مخالفة. حمل الولد جثّة والده وسار وحده ليدفنه في حقل خلف البيت. حينئذ بدأ الولد يشعر بالراحة إذ تخلّص من التعليمات التي كانت تجبره على ما رآه والده برهاناً على التفوق. في بعض الأحيان يسخر الولد من أبيه أو ينقم عليه، ألا أنه يتذكّره ويذكره دائماً وظلّ يحب هذا الوالد ويحن إليه، يتذكّر أقواله وأفعاله، وحين دفنه زرع شجرة تفاح فوق قبره لأن والده كان يعشق التفاح. ويقول في النهاية: «يستحيل أن أتخلّص من والدي.» (276) بعد وفاة الوالد بخمس سنوات تخرّج في الجامعة متخصّصاً بالزراعة. بدأ باقتناء النعام، ثم تحوّل إلى زراعة البطيخ والمخدّرات لتساعده على تحمّل رائحة روث الحيوانات في مزرعته.

 

 

ثم أزيلت «ديكنز» التي ولد ونشأ فيها الراوي، كي تحلّ مكانها مبانٍ باهظة الأثمان للبيض، فرفع الراوي وصديقه لافتة جديدة عليها اســـم «ديكنز»، ودهنا على الطريق خطوطاً بيضاً لما تخيلاه حدود مدينتهما الحبيبة، لشعورهما بأن بلدتهما لا ينبغي ولا يمكن أن تزول. كذلك أحيا الندوة واشترى الصــحيفة اللـــتين كان قد أسسهما والده لمثقفي السود، تنشر أخبار البطالة والفقر بينهم فضلاً عن نسب المتخرجين والمتعلمين منهم.

 

 

في أحداث الرواية يرافق «هوميني» بطلها وهو أيضاً أميركي أسود. إنه يتحدى التفرقة العنصرية، بأن يجلس، مثلاً، في الحافلة في الأماكن المخصّصة للبيض. وحين دعت إحدى المعلمات الأولاد السود وحدهم للجلوس في الحافلة واعترفت بأنهم كانوا في غاية التهذيب والتنصّت إلى شروحها، ارتأت أن العمل الاجتماعي ينبغي أن يجدّد التمييز العنصري، وعليه حلم «الخائن» باستعادة «ديكنز» التي كانت الحياة فيها هانئة لأن قاطنيها كانوا فقط من السود. وحين اقترح على إحدى صديقاته المعلمات أن تعود إلى التفرقة العنصرية في صفوفها، وفعلت، أكّدت أن نتائج تلامذتها أصبحت أحسن مما كانت عليها في السابق وقلّت مشكلاتهم الأخلاقية. وإذ حاول خمسة طلاب بيض دخول المدرسة التي خصّصتها «كاريزما» للسود منعتهم وتجمهر السود في الخارج يساندونها وأطلق عليهم صديق الراوي «فوي» الرصاص، فأوقفته الشرطة مع الراوي. وهرب الطلاب البيض.

 

 

أصبح «للخائن» هدف واضح في الحياة، هو إعادة بناء «ديكنز» وما كان فيها من تمييز عنصري. فأوقفته الشرطة وأحيل إلى القضاء بتهمة مخالفته الدستور والقانون لأنه حاول إعادة التمييز العنصري. ولا يلبث أن يعود «الخائن» إلى بيته في انتظار صدور الحكم، وأثناء متابعة النشرة الجوية على التلفزيون هزّه نبأ إعلان الطقس في بلدة «ديكنز» ومن فرط فرحه بعودة بلدته إلى الخريطة، أخذ يبكي.

 

 

في ذكرى وفاة والده ذهب مع صديقته «ماربيسا» إلى النادي يتفرجان على مهرّج أسود. وإذ بزوجين أبيضين ينضمان إلى الجمهور الأسود، ويبالغان في الضحك. شتمهما المهرّج وطلب منهما مغادرة المكان لأن «هذا شيء خاص بنا». (ص278) بعد أن غادرا لام الخائن نفسه على صمته، محللاً سبب هذا الصمت: «السكوت قد يكون علامة اعتراض أو قبول، ولكنه في معظم الأحيان يكون بسبب الخوف… وأظنّ أن سبب سكوتي هو أني خائف دائماً. خائف مما قد أقوله، من الوعود أو التهديدات التي قد تصدر عني وعليّ تنفيذها. إن هذا هو ما أعجبني في ذلك الرجل حين طلب من الزوجين الأبيضين مغادرة المكان «لأن هذا شيء خاص بنا». احترمته لأنه لم يبالِ بهما.» (ص287)

 

 

في الخاتمة، يرى «الخائن» أحد رفاقه السود يقود سيارته رافعاً علم الولايات المتحدة محتفلاً بإخلاء سبيل أسود اتُّهم بالقتل، وبانتصار فريق أسود في مباراة. وحين سأله الخائن عن سبب ذلك أجابه أن الولايات المتحدة قد دفعت دينها في النهاية. فسأله الخائن ثانية: «ولكن ماذا عن الأمريكيين الأصليين، والصينيين واليابانيين والمكسيكيين والفقراء؟» (ص288) فهزّ رأسه وقال لو سمعه والده لخجل منه، وأنه لن يفهم أبداً. فوافقه الخائن: «نعم، الحق معه، لن أفهم أبداً.» بهذا التلميح الغامض تنتهي الرواية.

 

 

بالعودة إلى أحداثها ومواقف الخائن يحاول القارئ أن يستجلي المقصود. فللرواية أبعاد عدة. أولها: مشكلة الهوية. فها هو الأميركي الأسود يتساءل: «كل هذا العمل، «ديكنز»، التمييز العنصري، ماربيسا(حبيبته)، المزرعة، وما زلت أجهل من أنا.» (ص249) وفي حيرته حول هويته يتابع: «ينبغي أن تطرح على نفسك سؤالين: من أنا؟ وكيف يمكنني أن أصبح نفسي؟» (ص250) سؤالان لا يواجهان الأميركي الأفريقي وحده الضائع بين كونه افريقياً وكونه أميركياً ليس له ما لمواطنيه من حقوق. في تأمل مرّ يقول «الخائن» لنفسه إن انتخاب رئيس جمهورية أسود، وربح شخص أسود عشرات الآلاف من الدولارات في مباراة المعلومات العامة، لم يغيّرا وضع السود. ولم تنجح محاولاته هو في إمكان تأسيس مدارس مختلطة بين البيض والسود، أو محو الفقر من بيئات السود، أو زواج مختلط بين أسود وأبيض. فلا نهاية لمأساتهم. والسؤالان المطروحان أعلاه يواجهان كل إنسان، فمنذ القدم قدّم لنا سقراط نصيحة أن نعرف أنفسنا وكل منا في صراع دائم مع عواطفه، ميوله، بيئته، وغيرها ليتمكن من أن يصبح فعلاً من يطمح إلى أن يكون. إن هذا مثل واحد فقط عن كيفية تخطي هذه الرواية الرائعة حدود الزمان والمكان اللذين تدور فيهما أحداثها.

والرواية بكاملها نقمة على العنصرية، ضد اليهود والمكسيكيين أحياناً، ولكن بالدرجة الأولى وفي الرواية بكاملها ضد السود.

 

 

تتخذ هذه النقمة قالب النقد المبطّن أو الغضب أو السخرية المرة حيناً آخر. فالخائن ينتقد البيض الذين لا يذكرون كلمة «أسود» حين يتكلمون مع أنهم يحتقرون السود ويضطهدونهم. وفي الحافلات العامة يفضل الأبيض الوقوف على أن يجلس قرب أسود. ويؤكد أن الشرطة قتلت والده المتعلم المثقف فقط لأنه أسود. وفي فصل متخيّل لمدينة «مميزات الرجل الأبيض» يرى أن هذه المميزات سببت انحلالها واختفاءها لأن كل التقارير الدينية والعلمانية التي انهالت على الأبيض سببت له قلقاً اجتماعياً ونفسياً جعلته عاجزاً عن المضاجعة والانتخاب والقراءة، وأهم من ذلك كله لم يعد يعتبر نفسه أهم ما في الوجود، وتنازل عن ادّعائه أنه «بنى هذا البلد، فيما كان كل الذين يعملون ويبنون ويصلحون السيارات ويطبخون هم السود. «(ص149-150) ويحلل نفسية الأميركي الأسود تحليلاً دقيقاً إذ يقول «إن كره الأميركي الافريقي لنفسه يجعل بعضهم يفضّل أن يقبله المجتمع على أن يحترم نفسه وأخلاقه. والأمثلة التي يضربها على ذلك كولين باول وكوندوليزا رايس وغيرهما من الأميركيين الأفريقيين الذين تبناهم المجتمع الأبيض وتبنوه.»(ص275) ويرى في مقابل هؤلاء إيجابية مواقف سود آخرين اعتبروا سوادهم عنصراً جوهرياً في تكوينهم وجعلوه مثالياً. «فتتحوّل عواطفهم بين المرارة والغضب وتدمير الذات إلى درجات من النشوة بسوادهم وفكرة تفوّق السواد. فيتوصلون إلى وعي جماعي يدفعهم إلى محاربة الظلم والسعي إلى راحة نفسية. (ص276)

 

 

وفي مواجهة هذه العنصرية ضد السود، يؤكد «هوميني» أن «البشرة السوداء أجمل، أسلم صحياً، أقوى… ولذلك يرتدي الأسود سكان برلين ونيويورك ورجال الأعمال والنازيون والشرطة والغطاسون.» (ص240)

إلا أن الأديب يصوّر نو

 

احي أخرى من بيئة السود الفقراء. منها الانحلال الأخلاقي والتفلت الجنسي إذ يضاجع الأولاد إخوتهم/أخواتهم، أولاد عمومتهم، أولادهم، إلخ. وعلّق على ذلك ساخراً: «لا وجود للغيرة من القضيب لأن لبعض الزنوج أحياناً قضيباً أطول من اللزوم.» (ص73) وحبيبة «الخائن» ظلت تضاجعه حتى بعد أن تزوجت غيره وأنجبت.

 

 

أما أسلوب الرواية فمتماشٍ تماماً مع لغة الراوي الأسود، لغة إنكليزية الطبقة السوداء السفلى، انكليزية مشوّهة كثيرة الشتائم والكلمات البذيئة والكلمات العامية يصعب أن يفهم بعضها قارئ ليس من هذه البيئة.

وختاماً، لا بدّ من التنويه مجدداً بأن هذه الرواية تتخطى مشكلة الأميركي الأسود، موضوعها الأساسي، إلى مشكلات إنسانية عامة.

0
0

تعليقاتكم