موجز أخبار راديو البلد
  • بطريركية القدس: معركة مستمرة لاستعادة العقارات المسربة
  • الصفدي: 77 مليون دولار عجز موازنة الأنروا لهذا العام
  • مخيم الزعتري يتحول للطاقة الخضراء
  • إصدار رخصة تشغيل للمفاعل النووي البحثي
  • اعتصام للعاملين في الخياطة أمام “الصناعة والتجارة”
  • التعامل مع تسرب أمونيا في العقبة
  • الأردن يطرح مناقصتين لشراء قمح وشعير
التدين الرقمي: من التسبيح الإلكتروني إلى الصلاة المليونية
د. يوسف ربابعة
2017/02/23

يستطيع المسلم أن يدخل الجنة بأن يقول: لا إله إلا الله مئة مرة حتى لو كانت ذنوبه كزبد البحر، ويمكن أن ينال غفران الله بمجرد أن يقول أستغفر الله مئة مرة، حتى لو كان ظالماً أو كاذباً أو معتدياً أو سارقاً لأموال الناس، ويكفي للمسلم أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لينال ثواباً عظيماً حتى لو لم يعمل خيراً طيلة حياته، ويكفيه أن يردّد الصلوات على الرسول لتُغفر سيئاته حتى لو كانت بوزن الجبال.

كل هذه المفاهيم والأفكار وصكوك الغفران تُروى على أنها أحاديث نبوية، ونتيجة لهذه المفاهيم القائمة على إحصاء عدد التسبيحات والتحميدات فقد ظهرت منذ مدة طويلة “المسبحة” التي من خلالها تستطيع إحصاء عدد التسيحات والاستغفار الذي تتلفظ به خلال يومك، وباستطاعتك من خلال هذه الألفاظ إذا رددتها أن تنال المغفرة التامة والرضى الكامل من الله مهما كانت ذنوبك كبيرة. ومع التطوّر التكنولوجي ظهر ما يسمى “العداد الإلكتروني” وهو يقوم مقام المسبحة لكن من خلال استخدام العد الرقمي، ليسهل على المسلم أن يعرف عدد أذكاره من تسبيح وتهليل وتحميد، في نهاية اليوم، وقد تقوم مسابقات بين الأصدقاء المتدينين للتنافس على تحقيق أكبر رقم ممكن من هذه الأذكار خلال اليوم؛ نهاره وليله.

وبعد انتشار الموبايل بدأ التدين يأخذ منحى جديداً من خلال ما يسمى “الرسائل القصيرة”، إذ يصلك كل يوم عشرات الرسائل التي تذكّرك بأن تقول “لا إله إلا الله” مئة مرة ليغفر الله لك ذنوبك، وأن تستغفر ألف مرة لتشفى من كافّة الأمراض، وهناك وصفات من الأذكار متخصّصة ببعض الأمراض الخطيرة أيضاً، وتصلك رسائل على شكل مواعظ وقصص دينية تطلب منك أن ترسلها لعشرات الأشخاص حتى تنال رضى الله ومغفرته، وعدم إرسالها قد يسبب لك المشاكل والمتاعب أيضاً، وقد كانت شركات الاتصال تشجع مثل هذه الرسائل لأنها تأخذ مقابلها أموالاً تخصم من حساب بطاقة المستفيد. وفي مجال الفتوى أيضاً صارت الرسائل القصيرة وسيلة للسؤال والجواب عن قضايا دينية مختلفة، فأنت تسأل ونحن نجيب برسالة قصيرة تكلفتها “خمسة قروش فقط”، لذا فبإمكانك أن تحصل على أحسن فتوى بطريقة سهلة وسريعة، ورخيصة أيضاً!

ومع ظهور الفضائيات بدأت الحملات الدينية على الشاشات الفضية تنتشر بشكل لافت، من خلال الدروس الدينية والمواعظ والفتاوى التي تنشر على الهواء مباشرة، ومن خلال الإذاعات يمكنك أن تتصل وتسأل الشيخ الأنيق وصاحب الكلام الحلو والجميل، لأنه يريد أن يحبب الناس بدينهم، وغالباً ما تكون فتواه بكلام ناعم منمّق. وظهر بعد ذلك على هذه الفضائيات “الدعاة الجدد” الذين يملؤون الأثير بقصصهم المؤثرة، ولباسهم الزاهي، وصوتهم الرخيم والحنون، فزاد عدد المتدينين على طريقة الفضائيات، ونتيجة لذلك ازدادت أعداد الفضائيات الدينية وراجت التجارة بها لتصبح من أهم طرق تحصيل الأموال.

لقد تطوّر التدين التكنولوجي بشكل أكبر بعد انتشار الهواتف الذكية والتطبيقات الرقمية المتنوعة، فظهرت التطبيقات للنغمات الدينية على الموبايل، وتوقيت الأذان، والأناشيد الدينية.

وكانت أهم ثورة في الموضوع مع ظهور الإنترنت وثورة تكنولوجيا المعلومات، حيث استفاد الدين من هذه الوسائل بزيادة عدد المتدينين رقمياً، بسبب سهولة الحصول على المعلومة، وحرية اختيارها والتعبير عنها، يقول توم بيودون -عالم كاثوليكي ديني- في كتابه “الإيمان التخيّلي” الصادر سنة 1998: “الإنترنت دعوة للناس المتشكّكين لتلقي كافّة الإجابات عن أسئلتها الدينية التي يريدون بها استكشاف جوهر الدين”، ففي هذا الفضاء بدأ يظهر تديّن من نوع آخر، وهو ما أشار له الباحث عبد النور إدريس، في مقالة له بعنوان “سوسيولوجية الأديان الرقمية”، إذ يرى أن ما يسمى “الدين الرقمي بات يسيطر على المشهد الرقمي الإقليمي والجهوي، فالدين باعتباره ظاهرة سوسيولوجية لا يمكن إلا أن يتفاعل مع العصر الرقمي لما يحتوي عليه من إمكانيات التحول بحيث عزّز من تغلغله في المجتمع بواسطة الإمكانات المتاحة للأنترنت فأصبحت الشبكة العنكبوتية تحتوي على بث الطمأنينة الافتراضية التي كانت من وظيفة الكنيسة والمسجد والمعبد، فشهد بذلك التدين الرقمي أشكاله الخاصة من الإيمان الافتراضي والجهاد الافتراضي والتعبد الافتراضي، من أجل الإشباع الحقيقي للسلطة الدينية وهذا ما أكده البابا جون بول الثاني عندما صرح بأن الكنائس ومجموعات الإيمان التي ترفض التكيف مع عصر الاتصالات الالكترونية لن تبقى على قيد الحياة”.

اليوم على صفحات “فيس بوك” يبدو التدين الرقمي في أبهى صوره، حيث الإعلان عن مواقع لخيمات رماضانية، مع صلاة التراويح، وكذلك الحملات المليونية للصلوات والتسبيح، والتغريدات المحمدية على تويتر، وصفحات الدفاع عن الصحابة أو الدفاع عن أي قضية دينية. وبعد ازدياد عدد المشتركين في صفحات التواصل الاجتماعي بدأت حملات إلكترونية لمليونيات افتراضية مثل: (صلاة فجر مليونية لنهزم كيان الصهيونية) التي دعت لها صفحة” ‎اجعل صفحة النبي رقم 1 على الفيس بوك.. انشرها بقدر حبك للنبي، وهي صفحة سلفية بلغ عدد المشتركين بها 10 مليون مشترك وصفحات أخرى تشن حملات للحشد لمليونيات من أجل الدعاء لفلسطين أو الدعاء على المحتل الصهيوني، أو الدعاء للمجاهدين في كل مكان من العالم.

ربما سيتغير التدين إلى حالة جديدة بعيدة عن الواقع الحقيقي لتصبح عالماً افتراضياً، تؤدى في الطقوس الدينية على الشاسة دون الحاجة لدور العبادة وأماكن التعبد، فقد ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أن ملايين الأشخاص حول العالم الذين أصبحوا يعتمدون على شبكة الإنترنت في الحصول على الفتاوى والتعاليم الدينية، كما أنهم يعتمدون عليها في أداء بعض الطقوس والشعائر الديني.

 ونقلت الصحيفة عن الكاتب الدنماركي المعني بالمواقع الدينية على الإنترنت مورتين هوجزجارد قوله “الآليات القديمة للحصول على المعلومة الدينية أو حتى ممارسة العبادات تغيرت الآن” كما أشارت الصحيفة إلى أن كثيراً من المسلمين يقومون بتحميل برامج مواقيت الصلاة على أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، كما يحملون تسجيلات القرآن الكريم، مشيرة إلى أن المسيحيين والهندوس واليهود والبوذيين والسيخ وأصحاب المعتقدات الأخرى يستخدمون المواقع الدينية الإلكترونية في الصلاة وممارسة طقوسهم.

 

يوسف ربابعة: كاتب وباحث وأستاذ جامعي. له مجموعة أبحاث في مجال التعليم والفكر والسياسة، ومنها: تجديد الفكر الديني، الشعر والقرآن.

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.