موجز أخبار راديو البلد
  • دراسة: نصف الفقراء توقفوا عن استهلاك سلع أساسية بعد رفع الضرائب
  • الكلالدة: قرار إعادة انتخابات الموقر بيد الحكومة وتحديد موعدها للهيئة
  • توجه لدمج ‘‘رخص المهن‘‘ و‘‘رسوم المكاتب‘‘ بقانون واحد
  • اغلاق وتوقيف 2100 مؤسسة غذائية منذ بداية العام
  • خمسة الاف واربع مائة جمعية خيرية في المملكة
بين المجتمع المدني والديمقراطيّة
مؤمنون بلا حدود-محمود كيشانه 2017/04/13

يُعدّ المجتمع المدني؛ أحد مظاهر الديمقراطية الحديثة، ونتيجة من نتائجها، وعلامة من علامتها، وإذا كانت مؤسسات المجتمع المدني، ذات تأثير كبير في المحيط السياسي لدولة ما، دلّ ذلك على مقدار ما تؤمن به هذه الدولة، من ديمقراطية، في حين؛ إذا كانت هذه المؤسسات، تفتقد إلى التأثير الواضح في مجريات الحياة، السياسية والاجتماعية، للدولة، دلّ ذلك على مقدار ما تؤمن به هذه الدولة من حظّ قليل بالديمقراطية وأهلها.

غير أنّه لمّا كانت مؤسّسات المجتمع المدني في الوطن العربي، حديثة العهد، ممّا جعلها غير ملمّة بأدوارها المنوط القيام بها؛ فإنّها وقعت في أخطاء عديدة، تعود، في مجملها، إلى تغليب المصلحة الشخصية، أو الإيديولوجية، أو المذهبية، أو غيرها، على المصلحة الوطنية، وهذا يتنافى مع طبيعة المجتمع المدني، الذي نأمل أن يكون شريكًا أساسيًّا، في بناء الوطن، وهذا إن دلّ؛ فإنما يدلّ على عدم إلمام، أو تغافل واضح، بمفهوم المجتمع المدني، وما يتبنّاه من مبادئ، وما يقوم عليه من أسس.

ويحاول هذا المقال، أن يتطرّق إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة، أظنها في غاية الأهمية، وتوضّح، إلى حد كبير، أهمية مؤسّسات المجتمع المدني، في علاقتها بالدولة أو السلطة الحاكمة، ومن ثم؛ يحاول المقال الإجابة عن هذه الأسئلة، التي مؤداها: ما دور مؤسسات المجتمع في مجتمعاتنا الآن؟ وما هو المأمول الذي ينبغي أن تكون عليه؟ وإلى أي مدى كانت الدولة مراعية لمتطلبات المجتمع المدني، وآليّاته، وسبل تدعيمه؟ وهل هذا يتّفق مع ما طرحته الأمم المتّحدة في هذا الشأن؟ وإلى أي مدى كان المجتمع العام مساهمًا في الارتقاء بمؤسسات المجتمع المدني، فضلاً عن الإلمام به وبمتطلّباته، في حياة الناس؟

تعريف المجتمع المدني:

المجتمع المدني: هو مجموعة من الكيانات أو المؤسسات، التي لا تقوم على أساس التعصب، سواء كان هذا التعصب للقبيلة، أو العشيرة، أم الدين، أو العرق، أو اللون، أو الإيديولوجية الفكرية، أو غيرها من مظاهر العصبية؛ وإنما يقوم على إرساء قيم المواطنة، وتنوير المجتمع، بما له من حقوق، وما عليه من واجبات، والعمل الجادّ المبنيّ على إرادة تطوّعيّة حرّة، لا تقوم على الربح أو الارتزاق، وينظم أفرادها شؤونها، بما لا يخلّ بمبادئ الحقّ والخير، التي تقوم على رعايتها الدولة، بما لها من حقّ الإشراف والمراقبة.

فهل تحقّق هذا المفهوم في مجتمعنا، أو في أيّة دولة من دولنا العربية؟ إنّنا نظنّ: أنّ الهوّة واسعة بين ما عليه المفهوم الحق للمجتمع المدني، وبين ما نشاهده في وطننا، من مهام مؤسسات المجتمع المدني؛ فهناك بون شاسع بين الواقع والمأمول، ومع ذلك؛ فإنّ الصورة ليست قاتمة على إطلاقها؛ لأننا نجد بعض المؤسسات، التي تنطلق من فهم لأبعاد المجتمع المدني، وتطلّعاته، وأدواره المنوط به القيام بها، وإن كنا لا نجد هذا، إلا في إطار المؤسسات ذات البعد الاجتماعي لا السياسي.

ولا يمكن إرجاع هذا الأمر إلى الأفراد القائمين على مؤسسات المجتمع المدني فقط؛ وإنما يعود، أيضًا، إلى البيئة المحيطة، بما تشمله من مواطنين لا يعرفون شيئًا عن طبيعة المجتمع المدني، ومهامّه، وأوليّاته، وأدواره المنوط به القيام بها، كما يعود إلى النظام السياسي؛ الذي تتبنّاه الدولة، ومن المتعارف عليه، أنّ وطننا العربي، لا يزال في طور الرضيع في مجال المجتمع المدني.

ومن ثمّ؛ يمكن القول: إنّ هذه الورقات، تتناول؛ ما بين المجتمع المدني والديمقراطية، من خلال ثلاثة جوانب:

الأول: تعاون مؤسّسات المجتمع المدني

الثاني: تعاون الدولة أو النظام السياسي

الثالث: تعاون المجتمع عامّة

أولًا- مؤسّسات المجتمع المدني:

قلنا، ولا زلنا نقول: إنّ مؤسسات المجتمع المدني، ذات البعد الاجتماعي، تقوم بدور رائع في إرساء قيم التكافل الاجتماعي، إلا أنه فيما يتعلق بالمؤسسات ذات البعد السياسي، لا نجد مثل هذا الدور، نتيجة الأخطاء التي تقع فيها؛ “فالمجتمع المدني الموجود بالفعل، فيه من سلبية، وارتزاق، وعدم شفافية، في كثير من الأحيان”([1]).

وتتمثّل هذه السلبية، برأيي، في أمر مهمّ، وهو: عدم الفاعلية في الشارع، حيث يتم تبصير الناس بحقيقة المجتمع المدني، وأهم أهدافه، ونجد هذا الأمر، خاصة، معدومًا في الجانب السياسي لا الاجتماعي، ومن ثم؛ فإنّ على مؤسسات المجتمع المدني المعنيّة بهذا، أن تكون أكثر إيجابية، وتتحقق هذه الإيجابية، في نظري، بالآتي:

أ- بناء خطة لتحسين أداء مؤسسات المجتمع المدني، كل مؤسسة على حدة..

ب- تحديد الأهداف العامة، التي ترتئيها المؤسّسة بدقّة؛ لأنّ هذا يحميها من التخبّط والعشوائية.

ج- المشاركة بفاعلية في توعية الناس، حتى يكون المجتمع مشاركًا في بناء مجتمع مدنيّ متكامل الأركان، حتى لا تكون مجرّد مؤسسات كرتونية، كتلك الأحزاب الكرتونية؛ التي ليس لها تأثير في الشارع، بما يعج به من طبقات الشعب المختلفة.

د- تبنّي مبدأ الشفافيّة في العمل، بين أعضاء المؤسسة بعضهم ببعض، وبين المؤسسة والمجتمع العام، وبين المؤسسة والدولة.

هـ- رفض الارتزاق، ومكافحته، ومحاربة وسائله.

و- إرساء قيم العمل الحر التطوعي؛ الذي يعد اللبنة الأولى في بناء صرح التقدم والتطور.

وإذا كان المجتمع المدني، حلقة من حلقات ثلاث، ينبني عليها المجتمع: الأسرة، والمجتمع المدني، والسلطة أو الدولة؛ فإنّ العلاقة بين الثالوث، ليست على المستوى المأمول؛ فلا الأسرة تعرف الكثير عن المجتمع المدني، ولا المجتمع المدني يطرح نفسه، بالصورة التي تمكّن له في المجتمع، ولا الدولة تهتمّ بإبراز هذه الصورة، والعمل على تشجيع مؤسسات المجتمع المدني، التشجيع الأمثل، مع أنّنا، إذا تمعنا في حقيقة الأمر؛ لوجدنا الأسرة أساسًا متينًا للمجتمع المدني، لو فهم ذلك، والمجتمع المدني؛ أساسًا لدولة ديمقراطية، وسلطة متناوبة.

وإذا كانت مؤسّسات المجتمع المدني في بلادنا، تقوم، في الغالب، على مبدأ المصلحة، أو المصلحة المتبادلة؛ فإنّ هذا، في رأيي، مما يهدّم أركان المجتمع المدني، ليس في بلادنا فحسب؛ بل في العالم أجمع، وتأكيدًا على ذلك؛ نضرب مثالًا: نقابة ما من النقابات، وهي إحدى أشكال المجتمع المدني، أرادت أن تقوم بإضراب، من أجل زيادة الرواتب، تحقيقًا لمطالب أعضائها الذين انتخبوا أعضاءها، فطبقًا لمبدأ المصلحة المتبادلة، التي تعنى به كثير من مؤسسات المجتمع المدني؛ فإنها ستوافق على هذا الإضراب، وتشجع عليه، غير مدركة بالآثار السيئة التي ستترتب على هذا الإضراب؛ من تعطيل لمصالح الناس، وحاجاتهم الأساسية.

وقد تبين لنا، كيف أن إضراب الأطباء من أجل تحقيق مطالب فئوية دنيوية، وقد وافقت عليه نقابة الأطبّاء، وشجعت عليه؛ بل وحذّرت من يخالف ذلك من الأطباء، بالعقوبة التأديبية، أدّى إلى أضرار جمة بالمرضى؛ الذين لا يقدرون على ثمن العلاج، أو المستشفيات الخاصة، حتى إننا، قد وجدنا، من يتلوّى من شدة المرض تحت أعين الأطباء؛ الذين لم يحرّكوا ساكنًا.

والأمر ذاته ينطبق على نقابة المعلّمين، ونقابة المهندسين، ونقابة المحامين، ونادي القضاة، واتحادات العمّال، والغرف التجاريّة، وغيرها من مؤسّسات المجتمع المدني، ليس معنى هذا: أنّني لا أبيح الإضراب، أو التظاهر السلمي، ولكن أريد أن يكون هذا؛ هو آخر ما يتمّ اللجوء إليه من محاولات؛ فإذا لم تجد المحاولات الودّية خيرًا، فليكن ما تريد المؤسسة، ولكن مع مراعاة مبدأ الحق والخير.

وقد رفض كرين برينتون، تأكيدًا على رفض مبدأ المصلحة أو النفعية، ورغم تبنيه مبدأ الاشتراكية، النظر إلى مبدأ النفعية، كمقياس أو معيار أخلاقي، نتيجة الآثار السيّئة التي تترتّب عليه، والتي تنحصر في تقوقع الإنسان داخل ذاته، حتى أنّه يصير غير اجتماعي البتّة([2])، وبناءً عليه؛ فإنّ مبدأ المصلحة أو المنفعة، غير ملائم لطبيعة المجتمع المدني؛ لأنّه مبدأ ثبت فشله في الفكر الغربي، عامّة، نظريًا وتطبيقيًا.

ومن ثم؛ فإنّ الأساس، الذي ينبغي أن تقوم عليه مؤسّسات المجتمع المدني في بلادنا: هو مبدأ الخير والحقّ؛ لأنّهما مبدآن ثابتان، لا يتغيّران بتغيّر الزمان والمكان، في حين أنّ مبدأ المصلحة، مبدأ نسبيّ قابل للاتفاق والاختلاف.

وتبقى مشكلة التمويل الخارجي؛ هي أحد الأخطاء الجوهرية، التي تقع فيها عدّة مؤسسات مدنيّة، إن لم يكن يقع فيه قطاع كبير من المجتمع المدني، وتبدو خطورة التمويل الخارجي، في أنه يجعل من المؤسسة، عبدًا مطيعًا لمن يعطي التمويل؛ فتكون المؤسسة طوع أمره، مما يلحق ضررًا كبيرًا بالدولة أو المجتمع العام؛ لأنه ليس من المنطقي أن تعطي الدولة المموِّلة للمؤسسة المدنيّة، دون مردود يحقق مصالحها أو أجندتها، وهكذا تفعل أمريكا والعديد من دول الاتحاد الأوروبي.

وإن حدث ولجأت إحدى المؤسسات المدنية، إلى التمويل الخارجي؛ فيجب أن تعلن ذلك بكل شفافية، للمجتمع قبل الدولة، لكن ليس عليها أن تقبل على هذه الخطوة، إلّا بعد أن تستنفذ جميع الجهود للاستعانة بالمجتمع، أو حتى الدولة، إن أمكن، في التمويل.

مع الوضع في الاعتبار، ألّا تنجرف المؤسسة المدنية وراء تمويل أشخاص أثرياء بعينهم، كرجل أعمال بعينه، أو مستثمر ما أو غيرهما، حتى لا يتحكّموا في مقدرات المؤسّسة، أو الهيئة، أو المنظمة المدنية، أو يتحكموا في نظامها العام، أو مبدأ من مبادئها، وإلّا فقدت أهمّيتها، إلّا أنه ليس هناك ما يمنع، من أن تكون مؤسّسات الأعمال الخاصّة، التي يقودها رجال أعمال مشهود لهم، بالوطنيّة والتديّن، أن يكون لهم دور في النهوض بمؤسّسات المجتمع المدني، وإرساء قيم المواطنة، وحقوق الإنسان، ومبادئ التكافل الاجتماعي.

ولكي يتحقّق هذا الدور؛ يجب مراعاة الآتي:

أوّلًا- أن يبتعد رجال الأعمال عن مبدأ الارتزاق؛ لأنّ المجتمع المدني، مبنيّ، في الأساس، على التطوّع الحرّ.

ثانيًا- أن تكون مساهمة رجال الأعمال للمؤسّسة المدنيّة، في ضوء الخطّة العامّة التي وضعتها المؤسّسة لنفسها.

ثالثًا- أن يبتعدوا عن العبث بالهيكل الإداري والتنظيمي للمؤسّسة.

رابعًا- ألّا يفرض رجال الأعمال على المؤسسة شيئًا، نظير ما يقدّمونه من خدمات.

خامسًا- لا مانع من أن يراقب رجال الأعمال، أوجه الصرف الخاص بالمبلغ المتبرّع به، أو غيره من أوجه التبرّع.

وليس من المنطقي أنّ المؤسسة أو الهيئة المدني؛ التي تنظم شؤونها الداخلية بين أعضائها، وفق مبدأ الحوار القائم على الأسس الديمقراطية التي ارتضاها الجميع، أن تقع فيما يخالف هذا المبدأ أو هذه الأسس؛ فتكون، بذلك، قد انتهجت نهجًا لما عليه الديمقراطية التي ارتضتها الدولة المتقدمة، ومن ثم؛ كان من أسس التعاون بين المجتمع المدني والدولة، أن تكون المؤسسة المدنية، صورة ناصعة تعكس ما عليه ديمقراطية الدولة؛ فلا تكون في واد والدولة في واد آخر.

وممّا يجب على المجتمع المدني أن يكون شريكًا في عملية التنمية في المجتمع على كافة المستويات: الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، أيضًا، وهذا لن يتحقق، إلا إذا كانت هناك آلية للتوافق، بين المجتمع المدني والدولة؛ فإذا كانت هذه الآلية حاصلة، وتتسم بالفعالية كان المجتمع بمشتملاته الثلاث؛ مجتمع عام، ومجتمع مدني، ودولة، مجتمعًا فاعلاً وديمقراطيًا، يراعي حقوق الإنسان، وخاصة المرأة والطفل، وإن لم يكن حكمنا بسهولة على هذا المجتمع، بأنه: لا يؤمن بالمجتمع المدني، ولا بالديمقراطية، وأنه يريد أن يتقوقع في مكانه.

ومن ثم؛ كان على المجتمع المدني، بصوره المختلفة، أن يكون مؤمنًا بمبادئ الشورى والديمقراطية، وأن يكون عامل بناء في إقامة صرح ديمقراطي، يباهي به الأمم المختلفة، وحتّى يتحقق ذلك؛ كان عليه، أي المجتمع المدني، أن يبدأ بنفسه، مصداقًا لقول الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}([3])، وتأكيدًا لقول الشاعر:

ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها      فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

فلا يصحّ أن تكون المؤسسة المدنيّة، معول هدم في البناء الديمقراطي؛ فلا تؤمن بمبدأ التعددية، ومن ثم؛ تؤسّس الرابطة بينها على أساس؛ جنسي، أو عرقي، أو ديني، أو طبقي، أو غيرها من الروابط، التي لا تؤمن بهذا المبدأ، ولكن عليها أن تساهم في إزالة أيّ لون من ألوان الفرقة بين أبناء المجتمع؛ فإن فعلت، دلّ ذلك على مظهر من مظاهر التعاون بينها وبين المجتمع؛ لأن مبدأ التعددية، في التحليل الأخير، يعني: أننا أمام مجتمع يتسم بالحراك السياسي الإيجابي، وتزول فيه كل مظاهر التعصب والأنانية؛ فيؤدي ذلك إلى تحقيق السلم العام للمجتمع. وهذا ما ذهب إليه هيجل، عندما أسس فكرته عن المجتمع المدني، على أساس ارتضاه، قوامه: أنّ الإنسان بقيمته كإنسان، وليس على أساس عقدي، أو جنسي، أو غيرهما([4]). وأفضل من قول هيجل، قول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}([5])، والملاحظ في الآية: أنّ التكريم، هنا، ليس منصبًّا على جنس معين، ولا أهل عقيدة معينة؛ وإنما التكريم يشمل كل بني آدم، على اختلاف عقائدهم، وأجناسهم، وألوانهم، ومذاهبهم، وغيرها مما يدل على الاهتمام بقيمة الإنسان، كإنسان، باعتباره دليلًا على الالتزام بمبدأ التعددية.

كما أنّه لا يصح أن تتشدق المؤسّسة بالديمقراطية، في الوقت الذي لا تؤسّس نظامها، وهيكلها، على أساس غير ديمقراطي؛ فترتضي الانتخابات الشكلية، ولا تساوي بين الرجل والمرأة([6])، وقد رأينا كيف ثار شباب حزب الدستور (في مصر)، على قادة الحزب، عندما تبيّن لهم: أنّ انتخابات الحزب، تدور، بطريقة شكلية، وترتضي إجراءات غير ديمقراطية؛ لأنّ الأمر، بذلك، يتنافى مع مبدأ الحرية؛ القائم، من ضمن ما يقوم، على حقّي في الاختيار، فضلاً عن أنّ ذلك يتنافى مع الدين، والقانون، والدستور، ومن ثم؛ كان على المؤسسة المدنية، أن تحترم الدين؛ فلا ازدراء للأديان، ولا تقليلًا من شأنها، والنبي قال: “ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه حقّه، أو حمله فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، كنتُ حجيجه يوم القيامة”، كما أنّ على المؤسسة المدنيّة: أن تحترم أحكام القانون والدستور؛ الذي ارتضاه الشعب؛ فلا تسير في غير ظلّ الدستور والقانون، وتكون، بذلك، قد ارتضت أن تكون عدوًّا لأبسط مبادئ الديمقراطية، التي جاء المجتمع المدني ليعضدها، ويؤسّس لها، ومن ثم؛ فاحترام القانون، هو مظهر من مظاهر التعاون؛ بين الدولة كسلطة، والمجتمع المدني، ما دام القضاء سلطة تحتفظ باستقلاليّتها عن السلطة الحاكمة.

ومن ثمّ؛ فإنّ دور المجتمع المدني في بناء الوعي الاجتماعي، والسياسي، والثقافي، والتعليمي، يُعدّ أحد المظاهر الدالة على الشراكة الحقيقية؛ بين المجتمع المدني والدولة.

فعلى المستوى الاجتماعي؛ يجب أن يساعد المجتمع المدني الدولة في القضاء على الفقر، والجهل، والبطالة، وذلك بتفعيل البرامج المؤدية إلى القضاء عليها، ويتأتى ذلك، فيما يتعلق بمشكلة الجهل، بمشاركة هيئة محو الأمّية في وضع البرامج، الكفيلة بمواجهة المشكلة، وتفعيلها، خاصة، إذا كانت تملك الكوادر القادرة على ذلك، ومشاركة وزارة التربية والتعليم في وضع حدّ لظاهرتيْ؛ تسرّب التلاميذ من التعليم، وعدم إتمام بعض التلميذات تعليمهنّ؛ لأنّهما من العوامل الأساسيّة في انتشار الجهل.

وعلى المستوى السياسي؛ يجب على المجتمع المدني، أن ينشر الوعي السياسي في جنبات الوطن، خاصة في المناطق العشوائية، والمناطق الفقيرة، ويكون محور عملها حول الموضوعات الآتية:

أ- المشاركة السياسية الفعالة؛ هي طريق تقدّم الوطن.

ب- الحوار السياسي، لا النزاع السياسي؛ هو أساس العملية السياسية.

ج- الحقوق السياسية للمواطن والواجبات.

د- توضيح بعض المواقف السياسية دون تحيّز.

ه- الحزبية السياسية للمواطن، لا تعني الانشقاق والفرقة.

ثانيًا- الدولة أو النظام السياسي:

نعتقد، يقينًا، أنّ البيئة الصالحة، التي يرتع فيها المجتمع المدني، ويحقّق أهدافه ومتطلّباته؛ هي البيئة التي يسودها جوّ سياسي، ينبني على الديمقراطية في الحكم، كما أنّنا نعتقد، تبعًا لذلك؛ أنّ البيئة الطاردة للمجتمع المدني، وأهدافه، ومتطلّباته، هي البيئة التي يسودها الاستبداد في الحكم؛ فالمجتمع المدني والاستبداد لا يجتمعان، نعم، قد يجتمعان، ولكن بما يحقق للاستبداد من مظهرية في الحكم، وليس تفعيلًا حقيقيًا بين طوائف المجتمع، وبناءً عليه؛ فكلّما اتسعت رقعة الحرية في بلدنا، انعكست إيجابيًا على مؤسّسات المجتمع المدني، وعلى دورها في قيادة سفينة الوطن، بما تحمله من توعية وتنوير.

وإذا كنّا، الآن، أمام أنموذجين من حيث علاقة الدولة بالمجتمع المدني: أنموذج الدولة الاستبدادية الشمولية، التي لا تسمح بأي مظهر من مظاهر المجتمع المدني، باعتبارها تؤمن بأنها وحدها صاحبة الرأي، ومالكة الحقيقة المطلقة، وأنموذج الدولة الديمقراطية الليبرالية، التي تفتح الباب على مصراعيه لمؤسسات المجتمع المدني، دون قيد أو وقابة؛ فإننا، في بلادنا، جئنا بأنموذج فريد من نوعه، لا نجد له مثيلًا عند أي من الدول المتقدمة؛ فلسنا دولة جذرية في علاقتها المجتمع المدني، ولا دولة ليبرالية ديمقراطية، وسمحنا بوجود المجتمع المدني ومؤسساته، ثم قيّدنا بالقيود التي تشلّ حركته وحركتها، ثم إذا هي آنست من نظامها السياسي تأييدًا، صارت مؤسسات مدلّلة، أمّا إذا هي لم تأنس منها ذلك، ووجدت في وجودها خطرًا، ولو كان هاجسًا؛ كالت لها الاتهامات، وجمدت أرصدتها، وفرضت عليها وصايتها، وإن كانت هذه المؤسسات ذات بعد اجتماعي، يقوم على إحداث نوع من التكافل الاجتماعي الصرف.

وقد كنّا نودّ أن يكون دور الدولة أكثر فاعلية، مما هو عليه الآن؛ فدور الدولة ينحصر في التضييق على منظمات المجتمع المدني، وتنفيذ الأحكام القضائية على المؤسسات، خاصة، إذا كانت المؤسسة، موضوع الحكم القضائي، من المغضوب عليهم من قبل الدولة؛ فتسارع الأخيرة من أجل تطبيقه، في حين أنّ اللازم على الدولة، إذا كانت تؤمن، حقًّا، بالمجتمع المدني ودوره؛ أن تراقب بجدّية، من أجل تحقيق الخير المشترك، الذي يقود إلى ارتقاء المجتمع، ومن ثمّ؛ فلا يقصد، هنا، المراقبة التي تعني؛ التقييد والتسلّط.

ونحن نشاهد، في بعض الأحيان، أنّ الحكومة قد تتقاعس عن مدّ يد العون إلى المجتمع المدني، كتوفير حرية التنقّل لهم، وحرّية تداول المعلومات التي تمكّنهم من أداء عملهم، بما لا يخلّ بالأمن القومي، ومن ثم، كان على الدولة؛ أن توفر لهم سبل الحماية اللازمة في أداء عملهم، وحرّية تبادل المعلومات.

كما أنّه على الحكومة؛ أن تبدي مرونة أكبر، في مشاركة المجتمع المدني في حلّ المشكلات التي يعاني منها الوطن: كالفقر، والبطالة، والعنوسة، والجهل، والتسرّب من التعليم، وهذه كلها قضايا يمكن للمجتمع المدني أن يشارك فيها، لو توافرت له الإمكانيات، ولو توافرت إرادة الدولة في ذلك.

ثالثًا– المجتمع عامّة:

يبدو لي أنّ دور المجتمع في بناء مجتمع مدني ديمقراطي، ليس له أثر يذكر، ونعني بالمجتمع، هنا؛ الكلّ الذي يشكّل من العاميّ والمثقف؛ فالوطن ترزح فيه الأمّية والفقر بصورة ليس لها مثيل، فيما أظن، في أيّ من بلاد العالم، ومجتمع تتوغل فيه الأمّية، ويستأسد فيه الفقر، لا نرى له أثرًا في تحقيق معطيات المجتمع المدني، أو حتى تدعيم أركانه، أو إرساء معالمه.

وأظنّ أنّ المثقف ذاته، ليس بمنأى عن اللوم في هذا السياق، “ويقع على المثقفين العبء الأكبر في هذا الصدد، وهو عبء لن يستطيعوا القيام به، إلا إذا تخلّوا عن مناقشتهم العقيمة، وأفكارهم غير القابلة للتنفيذ؛ فحلول مشاكلنا، ليست في بطون الكتب، ولا في الصالونات الثقافية؛ وإنّما في العمل بين الناس”([7]).

ويمكن أن نرجع، هذا الأمر، إلى السلبية التي سبق الحديث عنها، وعدم المشاركة، بفاعلية، في صنع الحاضر من حولنا، والتخطيط للمستقبل الذي لن يقوم على التماس الماضي وحده؛ وإنّما يقوم، إضافة إلى ذلك، على الحاضر والمستقبل؛ حاضر نصنعه، ومستقبل نخطّط له، للأجيال من بعدنا.

وإذا كان مفهوم المجتمع المدني، بأركانه ومتطلباته، غير متداول عند الناس، على الغالب الأعم؛ فإنني أعزو هذا إلى أمور:

ـ الأول: عدم اهتمام المثقّفين في بلادنا، بطرح موضوع المجتمع المدني، للدراسة والمناقشة، كجزء أصيل من دراسة الفكر السياسي.

ـ الثاني: عدم اكتراث الأنظمة الحاكمة بالمجتمع المدني، وعدم الإلمام بالدور الحقيقي الذي يمكن أن يقوم به، حتّى أنهم جعلوا منه ديكورًا، تكتمل به مؤسسات المجتمع الشكلية لإبراز ديمقراطية مزعومة.

ـ الثالث: الشخصيّة الانهزامية؛ التي تغلّبت على قطاع كبير من الشعب، بأنّه لا فائدة من التغيير.

ومن ثمّ؛ فنحن نريد مجتمعًا مدنيًّا، تكون العلاقة بين مؤسّساته، فضلًا عن علاقة المؤسسة الواحدة، مبنيّة على الحبّ، كذلك الحب الذي يجمع بين الأسرة الواحدة، ومن ثم؛ فإنّ مبدأ المصلحة مرفوض، في نظري، لأنّ هذا المبدأ ينبني على الأثَرَة والمصلحة، حتى ولو كانت تخص قطاعًا كبيرًا، وهذه الأثَرَة، وتلك المصلحة، لن يتحقق في ضوئهما الوحدة والانسجام المنشوديْن، ومن ثم؛ تتفكك المؤسسة، ويكون الأساس الذي قامت عليه، هو عامل فنائها، أو على الأقل، فشلها، وإقامة جسور من التواصل بين المؤسّسات التي تندرج تحت المجتمع المدني، أمر لا مفرّ منه؛ بل إنه يُعدّ أحد المظاهر الدالة على تماسك المجتمع المدني.

وإن كنا نرى أنّ أنتوني جيدنز، كان قريبًا من هذه الرؤية، إلّا أنه لم يبلورها البلورة المنطقية والواقعية؛ فذهب إلى أنّ الأسرة مؤسّسة أصلية من مؤسسات المجتمع المدني([8])، غير أنّه، وإن بالغ في هذا الأمر؛ فإنّنا نستشف من ذلك: ضرورة قيام مؤسسات المجتمع المدني، على المبدأ نفسه الذي تقوم عليه الأسرة، وهو: مبدأ الحبّ.

كما أنّنا نظنّ؛ أنّ الدعم الذي تقدّمه الدول العربية، ومنها؛ مصر، ليس الدعم الذي ينبغي أن تقدّمه دولة تؤمن بأهمية المجتمع المدني، ودوره البارز في النهوض بالبيئة المجتمعية نحو مجتمع أفضل، والدعم ليس مجرّد السماح لمؤسسات المجتمع المدني بأن تنشئ لها كيانًا قانونيًّا، أو مجرّد وضع القوانين الشكلية، التي تؤيد قيام مؤسسات تابعة للمجتمع المدني؛ وإنما الدعم ذو شقيّن: فنيّ ومادي؛ الأوّل: يُعنى بتقديم أوجه الدعم، من الناحية الإدارية والتنظيمية، وتيسير الإجراءات التي تسمح لأعضاء مؤسسات المجتمع المدني، بأن يقوموا بدور فاعل في المجتمع. والثاني: يُعنى بتزويد المؤسّسة، عند الضرورة القصوى، بالمساعدات المادّية، التي تعينها على أداء مهامّها، دون أن يترتّب على ذلك خضوع المؤسّسة تحت إمرة الدولة، تحركها كيف تشاء، وإلّا فقدت قيمتها ودورها.

وينبغي على الدولة: أن تعي أنّ المجتمع المدني بمؤسّساته، كالطفل الصغير، في حاجة إلى رعاية واهتمام، وتأديب لا قهر؛ فإذا نظرت الدولة للمجتمع على أنّه كذلك، وأنّ في قوّته وتماسكه، قوتها وتماسكها، اهتمت به ورعته، آخذة بالأيدي إلى مسالك من التنوير والتقدّمية، ومن ثم؛ فليس من الطبيعي، أن تتعامل الدولة مع المجتمع المدني بطريقة سلطوية فجّة، وهي تلك الطريقة التي يراها هيجل مناسبة؛ لاعتقاده بأن للدولة أن تمارس سلطتها المطلقة، على المجتمع المدني والمجتمع عامة([9])، ومن ثم؛ فقد خالفه هربرت ماركيوز؛ حيث قرّر، دون تردّد: أنّ تجاوز المجتمع المدني، في الحقيقة، يعني؛ أنّنا تحت طائلة نظام سلطوي تسلّطيّ([10]).


[1])) محمد عثمان الخشت، المجتمع المدني، سلسلة الشباب، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ط 1، 2004م، ص 7

[2])) تشكيل العقل الحديث، ترجمة: شوقي جلال، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2001 م، ص ص 231- 232

[3])) [البقرة (2): 44].

[4])) انظر: أصول فلسفة الحق، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح إمام، ط مكتبة مدبولي، 1996م، ص 451

[5])) [سورة الإسراء (17): 70].

[6])) ومبدأ الشورى، وهو: مبدأ من المبادئ التي يقوم عليها الإسلام؛ حيث يقول الله تعالى: “وأمرهم شورى بينهم” (الشورى)، كما أنّ مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، قد أقرّه الإسلام في غير حالتين؛ فالأمر الإلهي يشمل الرجل والمرأة، على حدّ سواء.

[7])) د. محمد عثمان الخشت، المجتمع المدني، ص 8

[8])) انظر: الطريق الثالث، تجديد الديمقراطية الاجتماعية، ترجمة: د. أحمد زايد ود. محمد محيي الدين، راجعه وقدم له: د. محمد الجوهري، طبعة المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1999م، ص ص 125- 126، وما بعدهما.

[9])) انظر: د. محمد عثمان الخشت، المجتمع المدني عند هيجل، طبعة دار قباء، القاهرة- مصر، ص ص 26- 28

[10])) انظر: العقل والثورة، هيجل ونشأة النظرية الاجتماعية، ترجمة: د. فؤاد زكريا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1979م، ص 193

0
0

تعليقاتكم