موجز أخبار راديو البلد
  • مخطط استيطاني اسرائيلي جديد لاقامة "القدس الكبرى"
  • 220 مليون دينار لموازنة المحافظات 2018
  • الصفدي: استمرار القتال في سورية فعل عبثي يدفع ثمنه الشعب
  • فصائل المعارضة السورية تتمسك بمواقعها في البادية
  • ‘‘التربية‘‘ تفتتح مدرسة جديدة للصم بطاقة 400 طالب
التعليم المُعلّب
د. يوسف ربابعة
2017/06/14

 

من المعلوم أننا في الأردن – وأقصد الشعب الأردني- يهتم اهتماماً واسعاً وكبيراً في التعليم، إذ ينفق الأهل كل ما لديهم من أجل تعليم أبنائهم، ويضحون بالغالي والنفيس من أجل ذلك، رغبة منهم في أن يكون أبناؤهم أفضل حالاً بالاعتماد على ما يملكون من شهادات تؤهلهم للحصول على وظيفة ومكانة اجتماعية أيضاً، ذلك أن الأردنيين يرون أن لا خيار أمامهم إلا بالتعليم، بسبب عدم وجود موارد أخرى في بلدهم من مثل المهن والحرف التي يمكن الحصول على الرزق بها دون الحاجة إلى الشهادة.

هذا العطش للتعليم والتنافس فيه تم استغلاله من جهتين؛ الحكومات ممثلة للنظام السياسي، من خلال فرض المناهج التي تتماشى مع رؤيتها وتحقق مصالحها الآنية، وتحقق نوعا من الولاء الزائف الشكلي، وكذلك القطاع الخاص من خلال الاستثمار الواسع وتحقيق الأرباح الكبيرة.

كل ذلك كان سببه استغلال حاجة الناس ورغبتهم في تعليم أبنائهم كما ذكرنا، لكن بعد فورة الاهتمام بالتعليم، ونتيجة المتغيرات العالمية، ومعرفة الناس بما يدور في العالم، أصبح هناك متطلبات جديدة، وأصبح الناس يرون الضعف والقصور والوهم الحاصل في تعليم أبنائهم، وبدت من خلال المقارنات العالمية الصورة الأخرى للتعليم، التي كانت مختفية خلف حجب الحاجة، فقد كان الهدف الحصول على الشهادة للمنافسة على الوظيفة، أما اليوم فيبدو ذلك غير كاف، إذ أصبحت الكفاءة والتميز والإبداع جزءاً من محددات الحصول على الوظيفة أيضا، وطبعاً لا ننكر أن الواسطة ما زال لها دور في ذلك، لكن لم يعد بالإمكان الاعتماد الكامل عليها، وبخاصة إذا خرجنا من داخل الحدود ليصبح التنافس على مستوى العالم.

لقد وجدنا أنفسنا أمام حالة تعليمية متراجعة، تهتم بالشكل أكثر من المضمون، وبالكم دون الكيف، وبالعدد دون الجودة، تعليم يقوم على التلقين والحفظ والاسترجاع والتنميط، ويخلو من التميز والإبداع والنقد والتفكير، تعليم يلقن النصوص ولا يشتبك معها، ويقدس الماضي دون نقده، ويلعن الحاضر دون التأثير فيه، ويخشى المستقبل دون العلم على صناعته، تعليم “معلّب” يصلح لوجبات سريعة تلقي بقايها في القمامة بعد إكمالها. تعليم يحشو عقول الطلاب بالمعلومات الجامدة، وحين الحاجة إليها لا نجدها في الواقع ولا نستخدمها في الحياة ولا في حل المشكلات، والدليل أن المشاكل في الجامعات وبين الطلبة تُحل بطريقة بدائية، تقوم على الضرب والطعن، ولا علاقة لها بما يدرسه الطلاب من منهج علمي يقوم على التفكير والفرضيات ورسم الخطط والبدائل.

هناك، كما يرى باولو فريري، نوعان من التعليم؛ التعليم البنكي والتعليم الحواري، فالتعليم البنكي يقوم على التلقين والتنميط والحفظ، ولا يفتح مجالاً للعقل ومواجهة الواقع، وربما يهرب من الواقع لأنه لا يستطيع التعامل معه، وهو ما ينتج جيلاً منسحباً من ذاته ومفصولاً عنها أيضاً، يقول كلاماً جميلاً لكنه يتصرف عكسه، وربما هذا ما نشاهده عند المثقفين والأكاديميين مثلاً، فهم يتحدثون عن الحرية والنقد وقبول الآخر، لكنهم في الممارسة العملية لا يستطيعون الانسجام مع مقولاتهم تلك. وبسبب هذا النوع من التعليم البنكي فإن المؤسسات التعليمية- على رأي فريري- لن تعود قادرة على التأثير الفعال في عقول أبنائها، ولا على تشكيل فكر نقدي لديهم يحميهم من الفكر الواحد، كما يحميهم من الفكر المتسلط، ويحميهم من الخرافة كما يحميهم من الاستسلام لواقعهم، فهم متلقون لكل ما يسمعون دون نقد أو تمحيص، أما التعليم الحواري فإنه يستنهض كوامن النفس ويجعل الطالب قادراً على المشاركة فيما يتعلمه؛ أي أن المعلومة مشتركة بين الطالب والمدرس، والطالب منتج للمعرفة وليس مستهلكاً لها، وبذلك يتفتح عقله ومواهبه، ويمتلك الشجاعة على النقد والبحث والإبداع.

نحن بحاجة في تعليمنا إلى مرحلة ما قبل الصناعة، وأعني به التعليم القائم على الإبداع والتمييز والتفرد، التعليم الذي يوازي الفن والأدب وليس التعليم الذي يوازي الصناعة، فنحن نهتم كثيراً بالتعليم التقني التلقيني على اعتبار أن ذلك هو متطلبات السوق، ويكاد يكون مضمحلاً في جانبه القيمي، ( كما يقول علي عزت بيغوفتش)، وفي هذه الأيام من الممكن جداً أن تتخيل متعلماً قد مر بجميع مراحل التعليم من الابتدائي إلى الجامعة دون أن يكون قد تعلم أن يكون إنساناً خيراً أو أميناً، فهو يتعلم الكتابة والحساب والطبيعة والسياسة والاجتماع، ويجمع كمًا هائلاً من المعلومات، ولكنه يتصرف بطريقة الإنسان غير المتعلم، فلا فرق ثقافياً بين الاثنين، وذلك –كما أرى- ناتج عن نوع التعليم الذي تلقاه، إنه يحفظ ويحمل أسفاره، وربما يحمل الماء على ظهره ويقتله الظمأ.

 

 

يوسف ربابعة: كاتب وباحث وأستاذ جامعي. له مجموعة أبحاث في مجال التعليم والفكر والسياسة، ومنها: تجديد الفكر الديني، الشعر والقرآن.

المقال لا يعبر عن وجهة نظر الأتحاد الاوروبي او ميرسي كور إنما يعبر عن وجهة نظر كاتب المقال فقط

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

  1. د. محمد ناصر الخوالده
    2017/06/14

    فإذا اتفقنا على أن التعليم الجامعي يتعامل أساسا مع جيل الشباب المملؤ بالعاطفة والدوامة الفكرية , فإننا يجب أن نعي بان محاولة التطوير الجامعي في عالم اليوم , يجب أن تستند أولا وقبل كل شيء على فهم هذا الشباب فهما واضحا , والتعرف على احتياجاته وتفهم آماله وأمانيه , إن هذا يجعلنا أكثر قدرة على تحديد قدرته على تحديد الإطار العام الذي ينبغي للتعليم الجامعي أن يعمل من خلاله , ليس فقط للتكيف مع متغيرات اليوم ومواجهة المشاكل التي تواجهها مجتمعاتنا نتيجة هذه التغيرات , وإنما أيضا لإعداد الأجيال الجديدة لمواجهة المتغيرات والتكيف معها خاصة وأن عصر السرعة والمعلوماتية قد ادخل سمة جديدة علي التعليم بصفة عامة والتعليم الجامعي بصفة خاصة .
    إن المهمة الكبرى للجامعات أن تعمل بكل ضمير وان تتخذ قراراتها في الأفكار التي
    يمكن تطبيقها . ومن الناحية المثالية يجب ألا تخدم الجامعات فقط النواحي الأكاديمية والفنية للجماهير المثقفة . فعلى الجامعات التزامات نحو أعضائها, وعليها التزامات نحو أوطانها, ولكن عليها واجبات اكبر نحو خير الإنسانية أينما وجدت. ولا يزداد توجيه عملها في هذا الاتجاه الأخير . وترتبط بعض الأنشطة الهامة للجامعات ارتباطا وثيقا بمشكلات البيئة المحلية وبالنظام السياسي وبالشئون الاجتماعية , وفي إطار هذه المهمة الواقعية في شئون المجتمع السريع التغير , فإن أحد مهام الجامعة المعاصرة , هي أن تتخلص من الفجوات وان تشجع التفاهم بين الأجيال , و الطبقات الاجتماعية والأجناس وبين الغني والفقير . ولم تعد الجامعة برجا عاجيا , والمثقفون من المهنيين الأكاديميين يضطلعون طوعا أو كرها بالتغيرات الاجتماعية الجسيمة في زماننا هذا .
    فلسفة التعليم الحالي والهيمنة الإدارية الداخلية للتكتلات بكل مستوياتها من الحضانة حتى الجامعة هي فلسفة ترسخ بكل قوة وإصرار القيم النقيضة للحرية المطلوبة , ولا يحتاج الأمر إلى كثير من العناء لندرك أن بديل المقررات وتغيير المناهج , بل إصلاح المباني وتزويد أماكن الدراسة بالحاسوب لن يغير من الأمر شيئا طالما أن إدارة المؤسسات التعليمية وبالأخص الجامعية ما زالت تعمل ضمن إطار تقييم عملها من خلال المردود للكسب الشخصي كذلك تعمل ضمن الكوتات والهيمنة التي تجير الأنظمة واللوائح الداخلية الموضوعة لخدمتها . فعميد الكلية المعين مثلا يستطيع آن ينصب نفسه ديكتاتورا في كليته لأنه صاحب التوقيع الأخير في كليته , وقد يسلب رؤساء الأقسام حريتهم بالحركة من اجل إبداع القسم وذلك لخوفهم من نقمة العميد مما قد يحرمهم الكثير في عملهم على الرغم من أن العميد هو الذي أولاهم ثقته .
    حتى المدرس المنوط به تحقيق البرامج لا يقر بقيمة الحرية ولا يعترف بمبدأ النقاش الحر غير المشروط ، وهنا لا يمكننا أن ننسى رؤساء الجامعات فهناك الكثير منهم ممن لا يرون في مهمتهم الإدارية إلا السيف المسلط على رؤوس العاملين في الجامعة ، ولا يمكن لأحد مناقشتهم في أي أمر كان ، ونيل رضاهم أو غضبهم هو مقياس وضع العاملين في الجامعة فأما أن يكون العامل أموره كلها مقضية أو العكس ، ومن هنا علينا أن نبدأ من نقطة ما في حلقة التعليم للنفاذ إلى خارج تلك الدائرة من الكتب والحلقة المناسبة لتحقيق هذه الغاية دون غيرها هي حلقة التعليم الجامعي .
    الفرامل والضوابط مطلوبة في التربية وليست في التعليم . وعلينا أن ندرك أن ولوج الطالب أبواب الجامعة معناه أهليته الذهنية والعقلية لتقبل الآراء والاتجاهات ومناقشتها. وإذا كان من المضحك أن تتدخل أي سلطة ولو كانت جامعية في منبع هذا الكتاب أو تلك النظريات العلمية أو اعتماد البحوث العلمية حسب مصادر نشرها , وتعيين أعضاء هيئة التدريس حسب منشأ الشهادة , دون الأخذ بعين الاعتبار لشخصية عضو هيئة التدريس نفسه . ومن المحزن أن تتدخل أي سلطة جامعية ليست اعتبارية في تحديد المصادر وتفضيل لونها للمساقات المعتمدة للتدريس ذلك معناه أن تتحول الجامعة إلى مدرسة وأن يتحول الطالب الجامعي إلى متلقي بليد خامل . وليت المأساة تقف عند هذا ألحد, بل تفضي هذه السلطوية إلى خنق المدرس المبدع المفكر , وتستبدل به المدرس الملقن موزع الكراسات أو مؤلف الكتب المقررة المعادة التي تعتمد على التجميع مع التغيير في النصوص و هذا إذا لم تكن عبارة عن ترجمات لنصوص أخرى .

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.