موجز أخبار راديو البلد
  • دراسة: نصف الفقراء توقفوا عن استهلاك سلع أساسية بعد رفع الضرائب
  • الكلالدة: قرار إعادة انتخابات الموقر بيد الحكومة وتحديد موعدها للهيئة
  • توجه لدمج ‘‘رخص المهن‘‘ و‘‘رسوم المكاتب‘‘ بقانون واحد
  • اغلاق وتوقيف 2100 مؤسسة غذائية منذ بداية العام
  • خمسة الاف واربع مائة جمعية خيرية في المملكة
تأجير العقل
عاصف الخالدي
2017/07/19

لا أعرف إن كانت أول فكرة وُعيت، استأجرت العقل البشري، ومن غير الممكن لي شخصياً، تخيّل اللحظة التي سبقت البداية، فقد ظننت لوقت طويل، أن المسافة المهمة حقاً، والمفقودة فعلاً، هي تلك المسافة التي خاضها الوعي البشري حتى يصل إلى نقطة البداية.

فبعد آلاف السنين على “انوجاد” الإنسان، مازال البشر يؤجرون عقولهم، في تجلٍ لأهم عقد إيجار في تاريخ الوعي البشري، يرنو فيه الإنسان للبحث عن الطمأنينة، فيسعى إلى تقويض كل ما هو مقلق وملموس، لأجل ماهو مُتَيَقَن وغير ملموس، وباستثناء نور الشمس الذي انبثق ليغذي الطبيعة على أرض هذا الكوكب، فإن النار التي انبثقت لأول مرة من بين أصابع الإنسان، استخدمت لاحقاً، من أجل كي بشر آخرين، والتخلص من وباء قلقهم وتساؤلاتهم.

ثقل الوجود، تغذيه الحياة، ويلتهمه الموت ثم يخفيه، وما بينهما، تتمّدد مسافة هي الإنسان، الذي خاض الحروب ليكسب، أو ليعيش! ومن غير الممكن أن نقرأ عن أي حرب، سواء تلك العسكرية، أو تلك التي يمكن أن أسميها “غزوات الاجتماع العام”، من دون الالتفات إلى جذور الإيقان التي زرعها المستأجرُ في عقول الغازين أو المتحاربين أو الضحايا على حد سواء؛ إنها الفكرة، التي تغزو الجسد، وتستأجر العقل، إلى أن تنبني لها مع مرور الزمن، قلعة صلدة على أنقاض عقل الإنسان!

فيظن “العاقل” حينها، أنها ولدت معه، وأنها ماهيته، المشروعة والمفروضة عليه قبل “انوجاده” حتى. ومن هنا، يرى العالم مظلماً، فيمضي في أصقاعه باحثاً عن ثنايا الظلام المطبوع في رأسه، ليخفي قلقه بالموت، ليفني هذا القلق كما يظن، ولن يعرف، بأنه هكذا، يحوّل الكرة الأرضية إلى مقبرة لهذا الكون، مما يجعل العالم، يراه مظلماً أيضاً.

الظلام إذن، هو ما يحاول الموقن فرضه على هذا العالم، لأن فكرته الصلدة، ما من شيء ينيرها، لسببين: أولهما أنها مطبوعة “منقولة كما هي” ولا يمكنه أن يتخيّل وجود فكرة أخرى تنيرها، رغم أن الأفكار لايمكن أن تظل وحدها في هذا العالم، تماماً كما لا يمكن للأرض أن تستنير دون الشمس، أو لا يمكن للحقل أن يعرف أنه أخضر دون أن يصفر، فالعالم بالأصل مؤثث على اختلاف موجوداته وتغيرها أيضاً، ولا يمكن تمزيقه كله لإبقاء مساحة واحدة فقط، تكون على مقاس فكرة واحدة.

ثانيهما: إن لاحظ الاختلاف والتطور أو التغيّر، وإمكانية العقل البشري الطبيعية في خلق علاقات غير موجودة حتى أو غير ملاحظة من قبل، فإن كل هذا، سوف يعد سحراً وكفراً بفكرته الثابتة التي لا تحتاج إلى نظر، إذ إنه يرى العالم من منظار مسلّمته، والتي يعتبرها ضرورة يجب أن تنبع عنها مسلّمات العالم، حيث لايمكن غالباً، أن يرى أن ضرورات الإنسان هي ما يخلق مسلماته، التي تتغير وفقاً لحاجاته أو ضروراته، إذ هو الذي يغيّرها، وليس أن يقوم بتفريغ العالم “تغييره ربما” لأجلها.

ووفقاً للإيقاني، يمكننا تخيّل أن كل بشري، يحتاج كرة أرضية خاصة به!

يفصلها كما يشاء، يؤثثها ببعد واحد أو فكرة واحدة، والأساسي ألا يزاحمه أحد عليها. ورغم أن الإنسان حتى اليوم، يتزاحم على الثروات والماء وعلى تفسير الجنون ويختلف حول المسائل الفلسفية، ويخلق الفكرة ثم يقوضها، فيقتل حداثته ثم يأتي ليقتل ما بعدها، ثم يقتل الفلسفة ويركن إلى العلم، ثم يبشر بعودة الإيمان بعد كل هذا.

إلا إنه ليس بحاجة إلى احتلال الكون، وخلع ظلاميته ونوره عليه، فالكون فيه ما يكفيه من مادة  مظلمة، وفيه ما يكفيه من نور تكسوه الألوان، جل ما يحتاجه الإنسان، تأثيث عقله هو، بالأفكار، أو تركها لتتنوع، لتتزاحم، لتتنور من بعضها البعض، لترفض وتقبل، أو  لتلغي بعضها أو تنبني لتصير معرفة ضمن علاقاتها اللامتناهية.

 يبدو أن الإنسان، يحتاج لغزو ذاته لا لغزو هذا العالم، وأن تبقى عملية السلب والتحرير داخله فقط، حتى ينطوي العقل وحده على صراعاته الفكرية، مما يمنح العالم فرصة جديدة مع العقلانية، ليتسع للبشر، الذين كلما انحسرت ظلاميتهم، تمكنوا من رؤية بعضهم البعض، هذا شيء من النور، لنرى بعضنا أولاً، لا أكثر ولا أقل.

 

عاصف الخالدي: كاتب وباحث من الأردن.

المقال لا يعبر عن وجهة نظر الأتحاد الاوروبي او ميرسي كور إنما يعبر عن وجهة نظر كاتب المقال فقط

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

  1. راسي وجعني
    2017/07/19

    اعوذ بالله عليك شو انه اسلوبك فلسفي قديم اكل عليه الدهر وشرب، اسلوب لا يمكن ان يكون موجه لبشر عاديين حتي لو كانو اطباء ومهندسين.. بس شَوية فلاسفة قديمين ممكن يفهموا منه اشي
    والمصيبة عدم وجود حركات لبعض الكلمات بزيد الامر صعوبة

  2. توجان فيصل
    2017/07/19

    رائع .. ولكن حتما يلزم القارىء ان يكون محبا للفلسفة وملما بها ,وبالذات بالفلسفة الوجودية.
    بل وينبغي أيضا كحد أدنى البدء مع سقراط ومقولته المؤسسة للفلسفة كما للمعرفة العلمية :”إعرف نفسك” .. برأيي سقراط هو أبو الوجودية. والكاتب يستحق الإشادة لكون مقالته أصيلة ولا تستعيد فقط تلك الفلسفة لذاتها, بل هو “يحاول ” ان يوظفها لينير واقع حالنا العملي الأحوج لتلك الإنارة.
    مع التسليم أسلوب الكتابة هنا متخصص جدا..ولكن من قال أن التخصص والدقة والصدقية وأمانة الكلمة بحيث لا يمكن استبدالها بأخرى مما يقال انها مرادفتها .. من قال أن هذا لا يلزم ..هو يلزم بالذات في زمن اللعب البلهواني على الكلمات لتحميلها مالا تحتمل , ولكن يلزم أيضا كتابة مقالات أخرى من قبل آخرين تأتي كشروحات أكثر “عملية” ولكن ليس أقل “علمية”, لهذا الفكر الذي أسس له أرسطو ليبني عليه فلاسفة كثر وصولا للوجودية.
    أتعاطف مع شكوى صاحب التعليق الظريف “راسي وجعي”, وأعجبني انه اهتم بأن بتابع النص ولم يقفز عن المقال لغيره ,ولهذا أقترح وأحاول جذب كتاب آخرين لإنارة ذات الفكرة بأسلوب أقل تخصصا.. فاللغة, كل اللغات بلا استثناء .منذ بدء البشرية اختلقت “حصريا” للتواصل,ولهذا وجدت لغات متعددة بتعداد الأقوام.

  3. توجان فيصل
    2017/07/19

    تصحيح طباعة في تعليقي ,مؤسس ىهذه الفلسفة يبقى “سقراط” ولكن طبعت”أرسطو” خطأ في متنةالتهليق “أرجة تصحيحه كل لا ياعبويشتت قراء تعبوا اصلا من نص المقال.

  4. توجان فيصل
    2017/07/19

    عذرا , تصحيحي أيضا خاطىء , يصحح : “أرسطو” هو المؤسس لفلسفة المعرفة هذه وصاحب مقولة إعرف نفسك و لعلوم كثيرة , وتبعه فلاسفة كثر منهم سقراط الذي تبنى وكرر مقولات عدة لأرسطو, وإن أسس بدوره لأمور”معرفية” أخرى منها “السياسي” وتثوير الشباب بإطلاق عقولهم , ولهذا يزاحم اسمه فكرنا المغرق في السياسية حين نعود للعهود الإغريقة , ويحرك اصابعنا ونحن نطبع, وبما ان الموضوع عن “المعرفة العلمية” ” وعن “اليقين ” واجتماعهما وافتراقهما .. ألفت النظر لمقولة أرسطو وثيقة الصلة بكليهما, “المحرك الأول الذي لا يتحرك”.. وهي مقولة تحتمل التمحيص العلمي(الفيزيائي بالذات) كما “اليقيني” .. وأتمنى لو يكتب غيري من المختصين أكثر في شأن الفلسفة, وفي الفيزياء النووية تحديدا من قائمة العلوم ذات الصلة ..

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.