موجز أخبار راديو البلد
  • بطريركية القدس: معركة مستمرة لاستعادة العقارات المسربة
  • الصفدي: 77 مليون دولار عجز موازنة الأنروا لهذا العام
  • مخيم الزعتري يتحول للطاقة الخضراء
  • إصدار رخصة تشغيل للمفاعل النووي البحثي
  • اعتصام للعاملين في الخياطة أمام “الصناعة والتجارة”
  • التعامل مع تسرب أمونيا في العقبة
  • الأردن يطرح مناقصتين لشراء قمح وشعير
التعليم الخاص: طبقية تهدّد أمن المجتمع
د. يوسف ربابعة
2017/08/09

في عام 1980، ألَّف الفرنسي، بيير بورديو، وهو من علماء السسيولوجيا، كتابًا بعنوان “إعادة الإنتاج، في سبيل نظرية عامة في نسق التعليم”، تحدث فيه عن دور المدرسة في إعادة إنتاج الطبقية الاجتماعية، حيث يرى أن النظام التعليمي السائد في بلده آنذاك، بمثابة آلة لتكريس الهوة بين الفقراء والأغنياء. وأحدث طرح بورديو أثراً عميقاً في النظام التعليمي الفرنسي فصارت فرنسا تحظر المدارس الخاصة، وتعتمد المدارس الحكومية لكل أبنائها، بما فيهم أبناء الأغنياء والوزراء، حرصا على تكافؤ الفرص.

إننا في الأردن نعيش أزمة تعليم تتجلى في كثير من المظاهر، ومنها أن التعليم أصبح أحد وسائل زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فهناك مدارس حكومية متهالكة ضعيفة القدرات، ومثلها مدارس خاصة بائسة أيضا، وهناك مدارس لأبناء النخب من المسؤولين الكبار والأغنياء، ويتسع الفرق بشكل واضح بين هذه المدارس وغيرها، إذ يتلقى الطلاب تعليما عالي الجودة يكسبهم مهارات تفكير ومعرفة لغات أجنبية وثقافة خاصة، لا ترتبط عادة بثقافة البلد وبالمجتمع، مقابل طلاب لا يجدون معلمين ولا بيئة مدرسية ولا يكتسبون أي مهارات على مستوى المعرفة واللغة.

لم تعد فكرة اتساع الفجوة مسألة بسيطة بل ربما ستصبح ظاهرة مقلقة خلال عقد من الزمن، ولا أحد يتنبه لما قد تحدثه هذه المشكلة على مستوى الأمن الاجتماعي، بسبب غياب تكافؤ الفرص في الحصول على العمل، إذ سيحصل الطلاب الذين حصلوا على تعليم جيد على فرص عمل أعلى راتبا ورتبة، وسيكون باستطاعتهم تحصيل مداخيل أعلى من غيرهم، وذلك ناتج عن عدم التكافؤ في الحصول على التعليم الجيد، بخاصة في المستوى الابتدائي والثانوي، وسوف يؤدي إلى ما يسمى “معاودة الإنتاج”، بحسب بيير بورديو، وبذلك تتحول  المدرسة – كما يقول – إلى وسيلة لتكريس النظام الطبقي الذي يحكم المجتمع.

وبحصول أبناء الأغنياء على تعليم جيد، ثم عمل جيد سيؤدي ذلك إلى تشكيل طبقة تتوارث التعليم والمناصب أيضا، لأن تحسين التعليم يتطلب مزيدًا من المال، ولذلك فإن النخب الأكثر امتلاكًا للموارد وحدها القادرة على إرسال أبنائها للمدارس الخاصة الراقية داخل البلد وخارجه، ومن ثم يصبح الأصل الاجتماعي هو الذي يحدد نوع المدرسة، ونوع العمل، وتغيب العدالة في تكافؤ التعليم وتكافؤ الفرص في العمل.

يبدو أن الدولة قد تخلت عن دورها في التعليم بعد ملاحظة أن المتعلمين والمثقفين هم الأكثر معارضة للنظام السياسي، حيث نعلم أن التعليم في بلادنا موجه نحو تخريج جيل خادم ومؤيد للنظام السياسي، وأن أي خروج عن ذلك يعد خسارة لهذا النظام، ولو عدنا للوراء لوجدنا أن انتشار التعليم الخاص قد بدأ من نهاية الثمانينيات، وهي مرحلة ما تسمى “الديموقراطية” في الأردن، وقبلها كان المعارضون هم طلاب الجامعات والمتخرجون منها، وهم أنفسهم طلاب المدارس، وبالتحديد الحاصلون على مهارات جيدة أهّلتهم لدخول الجامعة. ولأن التعليم أصبح عبئاً على النظام فكان لا بد من تفكيكه، من خلال إهمال المدارس الحكومية، والسماح بفتح مدارس خاصة، ثم جامعات خاصة، وكلها حولت التعليم إلى استثمار خالص سعياً لها لزيادة الأرباح وتعظيمها.

لقد فشلت المدارس الحكومية في احتواء أعداد كبيرة من الطلاب وتوفير تعليم مناسب ومتكافئ لهم، إذ تشير إحصائيات وزارة التربية والتعليم أن حوالي نصف مليون طالب الآن ملتحقون بمدارس خاصة، لأن أولياء الأمور أصبح لديهم مشكلة في إرسال أبنائهم لهذه المدارس، لأنها لا توفر أي من أساسيات عملية التعليم.

وترى منظمة اليونسكو أن غياب التكنولوجيا الواضح في كثير من المدارس الحكومية جعل التعليم مجرد أداة للتلقين، وغياب التواصل بين المعلم والتلميذ شكل فجوة عميقة في محاولة أي من الطرفين استيعاب وفهم الآخر، وهناك فقدان للأمان، فطبقاً لكثير من الاستفتاءات التي نشرتها اليونيسيف مؤخراً عن مدى شعور طلاب الدول النامية والعربية بخاصة بالأمان داخل المدارس، كانت النتائج صادمة، فمعظم التلاميذ لا يشعرون بالأمان جسدياً واجتماعياً وعاطفياً داخل المدرسة، والتلميذ يعيش دومًا تحت حالة تهديد إما من المعلم أو من غيره من التلاميذ أو حتى من والديه، وأما في العلاقات الشخصية، فهناك ضعف في الرابطة بين التلميذ ومعلمه، وانعدام الثقة، فالتلميذ لا يريد مناقشة الأستاذ بقدر أن يحاول حماية نفسه منه، وفي موضوع البيئة التعليمية، فإن ضعف الإمكانيات هو السبب الرئيسي لفشل تلك المدارس في تكوين بيئة تعليمية مناسبة للطالب.

إن ترك التعليم الخاص يتضخم على حساب التعليم الحكومي سيكون له تداعياته الخطيرة في المستقبل، وترك جودة التعليم رهنا بالحالة الاقتصادية للعائلة هو نوع من الظلم، وقد يكون سبباً في صراع طبقي عنيف مستقبلاً، ولا يمكن لمجتمع تنعدم فيه لغة الحوار بين طبقتين أن يتقدم أو يتطور أو ينمو، وهناك بوادر انفصال بين طلاب درسوا في مدارس خاصة منحتهم كل ما يحلمون به، ومدارس حكومية بائسة لا تقدم لهم إلا الخوف والسخط، وما بين الفريقين فجوة تتسع على كل المستويات حتى تنعدم القدرة على التفهم والتفاهم، وهناك لن يكون باستطاعتنا السيطرة على ما يمكن أن يحصل.

يوسف ربابعة: كاتب وباحث وأستاذ جامعي. له مجموعة أبحاث في مجال التعليم والفكر والسياسة، ومنها: تجديد الفكر الديني، الشعر والقرآن.

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

  1. د. محمد ناصر الخوالده
    2017/08/09

    فلسفة التعليم الحالي والهيمنة الإدارية الداخلية للتكتلات بكل مستوياتها من الحضانة حتى الجامعة هي فلسفة ترسخ بكل قوة وإصرار القيم النقيضة للحرية المطلوبة , ولا يحتاج الامر الى كثير من العناء لندرك أن بديل المقررات وتغيير المناهج , بل إصلاح المباني وتزويد أماكن الدراسة بالحاسوب لن يغير من الامر شيئا طالما أن إدارة المؤسسات التعليمية وبالأخص الجامعية ما زالت تعمل ضمن إطار تقييم عملها من خلال المردود للكسب الشخصي كذلك تعمل ضمن الكوتات والهيمنة التي تجير الانظمة واللوائح الداخلية الموضوعة لخدمتها . فعميد الكلية المعين مثلا يستطيع آن ينصب نفسه ديكتاتورا في كليته لانه صاحب التوقيع الأخير في كليته , وقد يسلب رؤساء الأقسام حريتهم بالحركة من اجل إبداع القسم وذلك لخوفهم من نقمة العميد مما قد يحرمهم الكثير في عملهم على الرغم من آن العميد هو الذي أولاهم ثقته .
    حتى المدرس المنوط به تحقيق البرامج لا يقر بقيمة الحرية ولا يعترف بمبدأ النقاش الحر غير المشروط ومن هنا علينا أن نبدأ من نقطة ما في حلقة التعليم للنفاذ إلى خارج تلك الدائرة من الكتب والحلقة المناسبة لتحقيق هذه الغاية دون غيرها هي حلقة التعليم الجامعي .
    الفرامل والضوابط مطلوبة في التربية وليست في التعليم . وعلينا أن ندرك أن ولوج الطالب أبواب الجامعة معناه أهليته الذهنية والعقلية لتقبل الآراء والاتجاهات ومناقشتها . وإذا كان من المضحك أن تتدخل أي سلطة ولو كانت جامعية في منبع هذا الكتاب أو تلك النظريات العلمية او اعتماد البحوث العلمية حسب مصادر نشرها , وتعيين أعضاء هيئة التدريس حسب منشأ الشهادة , دون الأخذ بعين الاعتبار لشخصية عضو هيئة التدريس نفسه . ومن المحزن أن تتدخل أي سلطة جامعية ليست اعتبارية في تحديد المصادر وتفضيل لونها للمساقات المعتمدة للتدريس ذلك معناه أن تتحول الجامعة الى مدرسة وأن يتحول الطالب الجامعي إلى متلقي بليد خامل . وليت المأساة تقف عند هذا ألحد, بل تفضي هذه السلطوية إلى خنق المدرس المبدع المفكر , وتستبدل به المدرس الملقن موزع الكراسات أو مؤلف الكتب المقررة المعادة التي تعتمد على ا لتجميع مع التغيير في النصوص و هذا إذا لم تكن عبارة عن ترجمات لنصوص اخرى .
    ويتم ذلك كله بدعوى المحافظة على القيمة العلمية أو الأسس الاجتماعية وكأن العلوم تختلف بين بلد لاخر , وهي دعوة تنتهي إلى التثبيت العقلي لمجموعة من الأصول التي تتحول إلى أصول مقدسة . وتصبح المعرفة ترددا وتكرارا لما سبق قوله , أوشرحا لملخصات أو تلخيصا لشروح.
    ومن هنا نقول أن الجامعة هي نقطة البدء والختام في العقلانية والحرية والتنوير , يطرح ذلك في جباتها وداخل قاعاتها فتعكسه في مرآة المجتمع في حياته ا لعادية والعقلية و السياسية , ثم ينعكس وقد زاد نوره ولمع داخلها مرة اخرى فتحقق التقدم وتستقر أمور الحياة وتنمو كل إمكاناتها, والذين يخشون الحرية يتسترون أحيانا وراء عدم الاستعداد الذهني والعقلي إستادا الى مستوى الطلاب الهابط , لكن المؤسف أن هذه كلها مبررات لا تفضي الى تجاوز الحالة , ولكي تتجاوز الحالة لا بد من بعض التضحيات , علينا أن نتحمل بعض الفوضى سعيا لتكريس الحرية , بل أن فوضى الحرية اسهل احتمالا من مفاسد تحويل الجامعات الى مؤسسات استثمارية بحتة من خلال تطبيق التعليم الموازي والذي لم يقدم إلا الزيادة المالية للجامعات وللمدرسين على حساب العلم وحساب المجتمع وذلك من خلال تلوين صفات أبنائه الطلبة وحساب العاطلين عن العمل من حملة درجة الدكتوراه والذي لا يستهان بأعدادهم , والادهى من ذلك أن الزيادة المالية للجامعات , لا يرى مردودها على نفس الميزانية التي يجب أن تخدم أقسام العمل في الجامعات وتنقص من الضائقة المالية للجامعات .
    ومن هنا نقول بأنه يجب أن تستعد الجامعات لتجريب أنماط جديدة في الإدارة , وكذلك عدم الخلط بين المهام المحددة لأعلى سلطة جامعية وهيئات التدريس , والإداريين والطلاب .فالمعلوم أن الوظيفة الرئيسية لأعضاء هيئة التدريس هي مهمة التدريس وأن يتعلم الطلاب , وأن تجعل الإدارة الظروف للتدريس والتعليم أكثر فائدة . ويمكن آن تصبح أعلى سلطة جامعية أكثر فاعلية , إذا ما عينت الموظفين الممتازين في الجامعة وحموهم ودافعوا عنهم .
    وفي المساعدة المالية للكليات والأقسام ليكونوا قادرين على البقاء والأحسن .
    ومن الناحية السياسية , يمكن القول بأنه من الممكن استنتاج أن الجامعة تستطيع ويجب أن تظل محايدة سياسيا كمؤسسة على الرغم من آن أعضاء هيئة التدريس والطلاب والإداريين أحرارا في اتخاذ مواقفهم الفكرية والسياسية . وليس بالضرورة أن يتخذ أعضاء هيئات التدريس مواقف سياسية كهيئة جامعية أكاديمية ما لم يكن الامر متعلقا بأخلاقيات عالية ذات اهمية وطنية ,ويعتبر الطلاب أحرارا في كل ذلك إلى حد ما لأنه ليس من السهل تجنب التسييس في الأوقات ذات المشاعر القوية . والخطر المهدد بفقدان الحرية الأكاديمية أو ألموضوعيةألأكاديمية سبب كاف لمداومة المحاولات بكل طرق يستطيع ايتانها المرء

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.