موجز أخبار راديو البلد
  • مخطط استيطاني اسرائيلي جديد لاقامة "القدس الكبرى"
  • 220 مليون دينار لموازنة المحافظات 2018
  • الصفدي: استمرار القتال في سورية فعل عبثي يدفع ثمنه الشعب
  • فصائل المعارضة السورية تتمسك بمواقعها في البادية
  • ‘‘التربية‘‘ تفتتح مدرسة جديدة للصم بطاقة 400 طالب
رضى الأزواج لا يكفي
مهند العزة
2017/08/13

لن نسوق شيئاً هذه المرة من كتب التراث التي كلما استندنا إليها لبيان ضرورة مراجعتها لما تتضمّنه من نقول تناقض جوهر وحقوق الإنسان؛ همّ المتنطعون من أئمة وسدنة التقليد وبدؤوا بالصراخ والاتهام بالزندقة أو التكفير أو الارتهان إلى أجندات أجنبية.

هذه فتوى صادرة عن دار الإفتاء الأردنية التي لطالما اعتقدت أنها تتسم بتيار معتدل أكثر عقلانيةً مما هو سائد في نظيراتها في دول أخرى. تقول الفتوى في مجملها في رد على سؤال حول صحة روايات السخط النازل واللعن الهائل على كل امرأة باتت وزوجها عليها غضبان؛ إن الرواية صحيحة وإعمالها إنما يكون في الحالة التي “تكون الزوجة هي السبب في المشكلة”، وتحض الفتوى في سياقها على “تجاوز الزوجة عن مظلوميتها وضرورة تحليها بالصفح والعفو إن كان الخطأ في جانب الرجل”.

سوف نتجاوز ما يحتويه مضمون الفتوى من إقرار بترهيب الزوجة بـ”السخط من الله” وما ينتجه ذلك من تكريس لعبودية وخضوع لسلطة الزوج الذي تجمع النقول على أن “غضبه من غضب الرب”، وسوف لن نجتر النقول التي تنزل بالمرأة منزلة الرقيق لمولاها الزوج “المؤيد بسلطان من الله”، إذ يكفينا في هذا المقام التوقّف أمام النظرة الاستعلائية التي تؤكدها الفتوى لمصلحة الرجل على حساب زوجته، تلك النظرة التي تجعل دائماً سلطة التأديب والتهذيب في يده وكأنها –أي المرأة- حُكماً هي مصدر الخطأ وسببه.

المدهش هو عدم ورود نقول لا في هذه الفتوى ولا في غيرها تقرن غضب المرأة على زوجها بغضب السماء وتنزل اللعنات على زوجها إذا ارتكب في حقها خطأً أو ظلمها، ولا يبدو منتجاً في هذا المقام ما يسوقه البعض من نقول حاضّة للرجل على “الإحسان إلى المرأة والرفق بها”؛ إذ إن الإحسان إنما يكون من المحسن الذي “بيده الخير” طواعيةً ويقدمه إلى المُحسَن إليه والذي هو طبعاً أضعف وفي مرتبة أدنى وبحاجة إلى ذلك الإحسان.

الفتوى التي تنصح المرأة بأن تغفر لزوجها وتتجاوز عن أخطائه لم تقدم النصح ذاته للزوج الظالم بأن يتحلى بالخلق القويم ويتجاوز عن خطأ زوجته لكي يجنبها “السخط” المزعوم بل لم تتضمن الفتوى عبارةً واحدةً موجهةً للرجل لحضه على أن يكون محترماً وأن لا يسيء إلى زوجته، المؤلم في جل هذا السياق المقلوب هو الطلب إلى ضحية الاتجاه الذكوري بأن تغض الطرف عن كل ما يسيء لها وأن “تعفو وتصفح والله يحب المحسنين”، هذا التوجه على ما قد يُظَن من بساطته هو الذي ساهم بشكل كبير في تكريس مواد مثل المادة (308) وغيرها من مواد العذر المعفي والمخفف من العقاب في جرائم القتل والإيذاء التي ترتكب ضد المرأة تحت ستار “الشرف والسمعة…”، فهذه المواد تقدم الضحية قرباناً لجلادها وتجعل منها المشكلة والحل في آن واحد. البحث عن جذور أساس فلسفة التشريعات العقابية وتلك المتعلقة بالأحوال المدنية التي تنظر إلى المرأة على أنها النقطة التي تبدأ عندها المشكلة وينتهي بها الحل، إنما تستمد فلسفتها الظالمة من مثل تلك النقول وما يُبنى عليها من فتاوى مؤيدةً لعلو الذكر وتفضيله على الأنثى.

 لماذا لم تُعط سلطة التأديب للزوجة بحيث يتاح لها مثلاً هجر الرجل أو ضربه إن لم يرعو؟ لماذا لم نسمع عن رواية واحدة، واحدةً فقط تنذر الزوج بالغضب الشديد والنار والوعيد إن بات ليلته وزوجته عليه ساخطة؟

إن مجتمعات تُعلي جانباً من أفرادها على جانب آخر بسبب الجنس لا تقل همجيةً ولا تمييزاً عن المجتمعات التي تمارس التمييز والإقصاء ضد الآخرين على أساس العرق أو اللون أو العقيدة أو الحالة الصحية أو المستوى الاجتماعي.

كما أن التمييز ضد المرأة هو شكل من أشكال العنف البيّن الذي ينسل إلى وجداننا ويشكل هويتنا الثقافية التي تنزع إلى التطرف بحكم ما تتلقاه من نقول وتعطيل للعقول، ذلك التطرف الذي سرعان ما يتطور ليكون عنفاً وجدانياً ففكرياً فسلوكياً لينقلب في نهاية المطاف إلى إرهاب مادي مسلح نصطلي بناره قبل أن يصطلي بها غيرنا.

على الدولة أن تلتفت إلى العديد من الممارسات المشرعنة التي تساهم بشكل كبير في خلق هذه الفجوة العمودية بين الجنسين والتي تجعل الذكورية عنواناً للشهامة والكرامة والشجاعة والقوة، بينما تنزل بالأنوثة منزلة الضعف والخضوع والخنوع والطاعة، وعلى كل من يزعم أنه يتخذ من التدابير ما يكفي لمحاربة التطرف والإرهاب أن يراجع بيته الداخلي ليتأكد أن تصميم هذا البيت ومحتوياته فعلاً حاضنة للتنوع ومشجعة عليه كي لا يكون هو سبب المشكلة ومصدرها في الوقت الذي يقدم نفسه على أنه مساهم أكبر في حلها وحلحلتها، فبيت الداء لم ولن يكن يوماً دواء.

آمل أن نرى من الفتاوى ما ينذر الزوج بالويل والثبور وعظائم الأمور إن بات وزوجته عليه ساخطة وأن نحثه  على التجاوز عن خطئها في حال حدوثه، فالمرأة مثل الرجل تماماً وليست آلةً ميكانيكيةً تعمل بـ“ريموت” يتحكم فيه الرجل وهو مستلقٍ على كنبة ورجليه مرفوعتان وذقنه مستندة إلى راحة يده، كيف يعقل أن نرهب المرأة  بغضب الرب إن غضب عليها زوجها ثم نتجاوز هذا لنطلب منها الصفح والمغفرة إذا أغضبها، أتراها إن لم تصفح سوف تتنزل عليها اللعنات أيضاً؟ آمل أن لا نشهد فتوى تقول “رضى الأزواج لا يكفي”.

 

مهند العزة: خبير دولي في التحليل القانوني وحقوق الإنسان، وكاتب في حقل الإصلاح الديني.

المقال لا يعبر عن وجهة نظر الأتحاد الاوروبي او ميرسي كور إنما يعبر عن وجهة نظر كاتب المقال فقط

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

  1. عروبه
    2017/08/13

    مقال رائع من الدكتور مهند يحتاج كل سطر منه الى مقال لان الموضوع المطروح غايه في الاهميه

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.