موجز أخبار راديو البلد
  • بطريركية القدس: معركة مستمرة لاستعادة العقارات المسربة
  • الصفدي: 77 مليون دولار عجز موازنة الأنروا لهذا العام
  • مخيم الزعتري يتحول للطاقة الخضراء
  • إصدار رخصة تشغيل للمفاعل النووي البحثي
  • اعتصام للعاملين في الخياطة أمام “الصناعة والتجارة”
  • التعامل مع تسرب أمونيا في العقبة
  • الأردن يطرح مناقصتين لشراء قمح وشعير
من باع الأراضي هو المسيء
داود كُتّاب
2017/11/01

يعتقد البعض أنهم أوصياء على أفكار وأمور دينية ومن ذلك المنطلق يقومون بمهاجمة المسيئين دفاعاً عن العقيدة وكأن ذاك الدفاع ضروري لاستمرار عقيدتهم. العقيدة المسيحية ليست بحاجة الى أوصياء يدافعون عنها، فقد نجحت واستمرت عبر العصور بسبب تمسك المؤمنين بها وليس بمحاولات يائسة في التهجم على كلّ من هاجمها. ويشهد التاريخ أن المسيحية هوجمت أكثر من أية ديانة أو عقيدة أخرى إلّا أنها صمدت ولم تتأثر. فالدفاع عن العقيدة لا يأتي من وضع سور لحمايتها من التفاعل معها بل من خلال تمسك المؤمن بعقيدته وترك الأمور الأخرى لله.

فإن كانت هناك إساءة، يقول الكتاب المقدس “لا تدينوا لكي لا تدانوا ” ويقول أيضاً “لي النقمة أنا أجازي يقول الرب”. فمسؤولية الدفاع عن العقيدة في الديانة المسيحية ليست منوطة برجال الدين بل بمصدر الإيمان.

الفنان عماد حجاج اجتهد في رسمه الأخير والبعض احتج. لا بأس أن نتوقع من الفنانين احترام الرموز الدينية وهذا واجب أخلاقي، ولكن من الضروري أيضاً عدم المبالغة في تضخيم حجم المشكلة ولذلك فإنني أرفض وبشدة تحميل الزميل عماد حجاج أكثر مما هو طبيعي في هذه الأحوال.

فالمسيء هو من يبيع الأراضي التابعة لجماعة المؤمنين (وهو تعريف الكنيسة) وليس من ينتقد رجال الدين المتورطين في أعمال فردية دون الرجوع للطائفة.

 فالأمانة في العمل والوكالة أمر وارد بكثرة في الكتاب المقدس وخاصة على من هم في موقع المسؤولية. فيقول الرسول بولس في رسالته إلى تيموثاوس أن الأسقف يجب ان يكون بلا لوم وذلك بأن يكون”… صَاحِياً، عَاقِلاً، مُحْتَشِماً، مُضِيفاً لِلْغُرَبَاءِ، صَالِحاً لِلتَّعْلِيمِ، غَيْرَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ، بَلْ حَلِيماً، غَيْرَ مُخَاصِمٍ، وَلاَ مُحِبٍّ لِلْمَالِ،

وفي قراءة للثقافة المسيحية عبر العصور نرى الشعوب والحكماء يتصدون إلى أية إساءة حقيقية بالثبات في إيمانيهم وعقيدتهم متشبهين بالسيد المسيح وليس في الرد المباشر والعنيف على كل إساءة، ولعل من أهم ما علّمنا المسيح في هذا السياق هو ما جاء في موعظته على الجبل والتي قلبت كافة الموازين في كيفية التعامل مع الغير وذلك بقوله كما رواه البشير متى “وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ”.

أمّا محاولة تخيل موقف السيد المسيح فهناك أيضاً العديد من الأمثلة عبر العصور والثقافات لكتاب ومؤرخين ولاهوتيين حاولوا تخيل موقف المسيح من أمور عدة وتم تدوينها بكتب وروايات ورسومات، ومثال على ذلك الإسوارة التي يلبسها العديد من المؤمنين الشباب في الغرب التي تحمل الحروف بالإنجليزية WWJD ((What Would Jesus Do والتي تعني: ماذا كان سيفعل المسيح ؟ فالهدف من ذلك قيام الشخص بصورة دائمة بتخيل ماذا كان سيفعل المسيح لو كان في مكاني في هذه المناسبة أو الفعل.

إن المسيحية عبر العصور لم تكترث كثيراً مثلاً إذا داس إنسان على الكتاب المقدس أو كسر صليباً حيث أن رسالة المؤمن هي التمسك والسلوك بما جاء في الكتاب المقدس وليس بالورق المطبوع عليه. وكذلك الصليب أيضاً فهو رمز للتضحية والفداء فقطعة الخشب أو الصورة ليست هي المقدسة بل الرمز الذي تعكسه هو المهم. طبعاً أنا أعترض على المس بالرموز الدينية من كسر الصلبان أو تمزيق الكتاب المقدس أو غيرها ولكن الإيمان هو بالمحتوى وليس بالورق أو الخشب.

في شرقنا الحبيب وبسبب تأثير الثقافات المتوارثة تم تطبيع العديد من القادة المسيحيين من رجال دين وعلمانيين بحيث أصبحوا متحسسين بصورة مبالغة من موضوع الرسومات وذلك ليس من منطلق عقائدي بل من منطلق ثقافي موروث ليس إلّا.

إن التشدد والتطرف المسيحي في هذا المجال غير مفيد بل بالعكس هو مضر ومسيء للمسيحية ومناقض لتعاليم المسيح. فهدف الرسم الكاريكاتوري -كما أراه – لم يكن الإساءة للمسيحية بل تسليط الضوء على ما يجري في فلسطين من بيع أراضي الكنيسة خارج إرادة الشعب.

وفي هذا المضمار يجب التركيز على ضرورة المشاركة الحقيقية لأبناء الطائفة الأرثوذكسية في صنع مستقبل الطائفة وفي ما يختص بأملاكها وذلك من خلال تطبيق القانون الأردني رقم 27 لسنة 1958 والذي يطالب بتشكيل مجلس مختلط مشكل من رجال الدين وأبناء الطائفة الأرثوذكسية لإدارة شؤون الطائفة.

ولكن إن كان لي تعليق على ما جاء في رسم الكاريكاتير للفنان حجاج فهو من منطلق آخر كلياً. فالمسيح لم يكن يكترث بالأمور المادية مثل الأراضي والأملاك وغيرها بل كان جل اهتمامه بالأمور الروحية والسماوية. فحين سؤل قبل صلبه إن كان له أطماع أرضية مثل إقامة مملكة أو أن يصبح زعيماً أرضياً، أجاب: “مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّم”.

ومن هنا فإن الأملاك والأراضي ليست من اهتمامات المسيح في حين خلاص البشرية والحياة الطاهرة الأمينة هي محور اهتمامه.

داود كتّاب: مدير عام شبكة الإعلام المجتمعي. أسس العديد من المحطات التلفزيونية والإذاعية في فلسطين والأردن والعالم العربي.

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.