موجز أخبار راديو البلد
  • بطريركية القدس: معركة مستمرة لاستعادة العقارات المسربة
  • الصفدي: 77 مليون دولار عجز موازنة الأنروا لهذا العام
  • مخيم الزعتري يتحول للطاقة الخضراء
  • إصدار رخصة تشغيل للمفاعل النووي البحثي
  • اعتصام للعاملين في الخياطة أمام “الصناعة والتجارة”
  • التعامل مع تسرب أمونيا في العقبة
  • الأردن يطرح مناقصتين لشراء قمح وشعير
حين يتحوّل الطالب إلى آلة تسجيل
د. يوسف ربابعة
2017/11/08

لا أعرف من الذي زيّن للمدارس الحكومية والخاصة التنافس في زيادة عدد الحصص وتمديد وقت الدوام، فقد صار من فضائل التعليم أن يدخل الطالب المدرسة في السابعة والنصف صباحاً ويخرج منها في الثالثة مساء، وخلال هذه المدة عليه أن يحضر ثماني حصص في مواد مختلفة، مع استراحة لا تتجاوز نصف الساعة.

كما أن المدارس تحاول التقليل من حصص الرياضة والفن لصالح اللغات والرياضيات والعلوم، ظناً منها أن ذلك يزيد من قدرات الطلاب التحصيلية، وينمّي قدراتهم في الفهم والإدراك، ثم يعود الطالب لبيته محمّلاً بحزمة من الواجبات لكل المواد التي درسها.

هكذا يبدو حال طلابنا هذه الأيام مع الأسلوب الذي تتبعه المدارس في تعليمهم؛ ثمان ساعات يقضيها الطالب في المدرسة متنقلاً بين مواد قد تصل إلى ست في اليوم الواحد، أي أن الطالب قد يدرس اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم والاجتماعيات والتربية الإسلامية في يوم واحد، وكل حصة تستغرق خمساً وأربعين دقيقة، يعود منهكا بعدها ولا يستطيع أن يستمتع بطعامه ولا بشرابه ولا بوقته، ويزداد إنهاكاً في البيت، إذ عليه أن يقضي أربعاً إلى خمس ساعات في حل الواجبات لينام مشغول البال خاوي الجسد، ويصحو في اليوم التالي لبيدأ رحلة العذاب من جديد.

إنها بالفعل رحلة عذاب، فرضتها علينا موضات من التعليم الشكلي الذي حول الطالب إلى آلة تسجيل، ننسخ عليها ما نريد، ثم يتم استفراغها على ورقة الواجب أو ورقة الامتحان، وبعد بضعة أيام يمحوها ليسجل معلومات جديدة، ليتسنى له استفراغها مرة أخرى، وما بين التسجيل والاستفراغ تفتخر المدارس أمام أولياء الأمور أن أبناءهم يتلقون تعليماً جيداً، وعندما يسألون: كيف ذلك؟ يُقال لهم: نعطيهم ثماني حصص في اليوم، ونشغلهم بواجبات بيتيه بقية يومهم. إننا نطحنهم في المدرسة ونحشو عقولهم حشواً لا رحمة فيه، ويعودون إلى بيوتهم فتطحنهم الواجبات مرة أخرى.

لقد كان عند المعلمين نظرية تقول: إذا لم تُشغلِه أشغلك، لذلك أتذكر أن بعض الأساتذة الذين درسونا في الصفوف المتوسطة، كانوا يطلبون منا في بعض الحصص أن ننسخ الدرس ثلاث مرات، حتى في حصص العلوم، وعندما كبرت وأصبحت معلماً، اكتشفت أنها طريقة جيدة، حين لا يكون عندي ما أقدمه للطلاب فأشغلهم بالنسخ حتى لا يشغلوني بمشاغبتهم، إنها أفضل طريقة لتتخلّص من شيطنة هؤلاء المشاغبين، وتضييع وقتك ووقتهم، فليس لهذا النسخ أي هدف سوى ذلك، لكن لا يمكن أن أخفي تبريراتي أنها مفيدة ليحسّنوا خطوطهم ويتعلموا الإملاء، وهكذا يخدع المعلم نفسه ويخدع طلابه.

إنني أتساءل بالفعل عن جدوى ما نفرضه على طلابنا في كل هذه الحصص، ومن أين جاءت فكرة حشو عقولهم وإرهاقهم طيلة مدة دراستهم بواجبات وامتحانات تجعلهم غير قادرين على التفكير أو التأمل أو ممارسة متعهم الخاصة في اللعب والفن والرياضة والموسيقى والرقص؟

أحيانا ًأعتقد أن هناك تواطؤاً بين المدرسة والأهل في تحويل هؤلاء الطلاب إلى آلات تسجيل ونسخ، فالمدرسة غير مؤهلة لاستيعاب أنشطة تقدمها لهم، والأهل ليس عندهم الوقت للجلوس مع أبنائهم وممارسة أنشطة جماعية، كما أنني أعتقد أن الدوام الطويل قد فرضته طبيعة عمل الأب والأم اللذين يعملان بوظائف تنتهي في وقت متأخر، ويريدون أن يتناسب دوام أبنائهم مع دوامهم.

ويبدو لي أن هذا الكم الهائل من الحصص والواجبات غير مبني على أسس تربوية وتعليمية، إذ إننا نقرأ أن فنلندا مثلا أصبحت من أوائل دول العالم في التعليم، وأن من أهم الأسس التي وضعتها هي التركيز في سياسة التعليم بشكل أساسي على العمق في المضمون المدروس، بدلا من زيادة المضمون والتعامل معه بسطحية، والمعلمون يعملون في الفصول لمدة أربع ساعات يومياً وعشرين ساعة أسبوعياً، نصف هذه الساعات يقوم فيها المدرس بإعداد المناهج الدراسية وتقييم الطلاب، ومع تقلص ساعات الدراسة تزداد فترات الراحة نسبياً لتصل خمسا وسبعين دقيقة موزعة على اليوم الدراسي.

لا أعرف إذا كان لدى وزارة التربية والتعليم دراسات عن فوائد زيادة الحصص وتراكم الواجبات على كواهل الطلاب، والحكم عليهم للعيش في دوامة الإرهاق وإشغال عقولهم بذلك، وعدم إعطائهم أي فرصة للتفكير والتأمل فيما حولهم، في الكون والحياة والعالم والجسد والمتعة والرغبة! إنني لا أستطيع أن أفهم هذا النوع من التعليم إلا أنه نوع من التدجين الذي تمارسه المدارس على الطلاب ليكونوا “برغياً” في هذا المصنع الذي ينتج أدوات طيعة للاستخدام دون أن يكون لديهم القدرة على النقد والرفض والتمرد!

يوسف ربابعة: كاتب وباحث وأستاذ جامعي. له مجموعة أبحاث في مجال التعليم والفكر والسياسة، ومنها: تجديد الفكر الديني، الشعر والقرآن.

ينشر موقع عمّان نت التعليقات بما لا يتنافى مع سياسته التحريرية

0
0

تعليقاتكم

  1. د. محمد ناصر الخوالده
    2017/11/08

    في البلاد يللي الله راضي عليها تجد الفرص بين الدروس كثيرة وأكثر من اربعة مواد لا يدرس . كذلك نجد أن العملية التعليمة ليست تلقينية وحفظ عن غيب دون مناقشة أو تفاعل فيما بين المدرس والطلاب وايضاُ يلعب المدرس دوراُ في كيفية تقديم الدروس حتى يقنع الطالب بأهمية المادة أو دورها على الأقل في صقل تفكيره ـأوبما تقدمه له من معلومات يستطيع أن يستفيد منها . ولكن يجب أن يقال أن الكل ملام والطالب أو اللميذ في ايامنا هذه يتحمل مسؤولية كبرى لأنه لا يعير الأهتمام اللازم لأهمية الدروس ولا يبحث عن المعلومات خارج الصف ولا يحاول ربط المعلومات بعضها ببعض أو يحاول أن يجد مصادر أخرى حتى يتم الربط بما يقدم له من معلومات .
    ارى أن هناك ميوعة الأن بالتعامل مع العلم والتدريس وهناك تساهل وخصوصاُ في عصر الدراسة الخاصة ( جامعات ومدارس خاصة ) والأخذ سيبك ريته ما يفهم والدفع قبل الرفع وتلقي العلامة .

    المدرس المنوط به التدريس الأن يقدم المعلومات المطلوبة حول موضوع معين بطريقة آلية وفي شكل نمطي وبترتيب جامد ومحدد, تولى صياغته في الأصل أشخاص أو هيئات لا يعرف الباحث شيئا عنهم أو عنها, ولا يكاد ذلك الشكل أو الترتيب يتغير مهما تعدد واختلف الأشخاص الذين يزورون الموقع المعين للحصول منه على المعلومات المتعلقة بالموضوع, وفي ذلك تحديد لحرية التصرف وتقييد لإمكانات التنويع والتجديد..

    والخوف من أن تتحول الأجيال التالية إلى مجرد أرقام متشابهة عاجزة عن التفكير المستقل وعن التخيل الإبداعي وتقنع باستقبال المعلومات.

نبذة عن تكوين

نسعى إلى خلْق فضاء حر نمتلك فيه جرأة التفكير باستقلالية عن أية وصاية خارجية على عقولنا، ونكتب لإثارة نقاش معرفي مبدع مقابل التعصب، والزيف، والخرافة.

نؤمن بأن حرية التفكير هي أساس احترام الإنسان لنفسه ولغيره، وصون كرامته، وانتزاع حقوقه بعيداً عن اشتراطات الدين، والمذهب، والعرق، والمنشأ بأوجهه المختلفة؛ تلك التي تعمل على تشتيتنا وراء حواجز تقود، حتماً، إلى طغيان العصبية، وتقديس الغيب، وتغييب العقل، وصولاً إلى دائرة الاقتتال وسط هذه الظلمات.

نبحث مجتهدين، من غير خوف، حالةَ العجز العربية في جميع جوانبها، مؤمنين أن التنوير وسيلةً كفيلة لمواجهة المآزق المحيطة بنا؛ تشخيصاً وتحليلاً ونبشاً وتنقيباً، وليس ترفاً وتزويقاً لواقع فاض حدّ الاختناق بأزماته الأخلاقية، والمعرفية، والاجتماعية.

نطرح ونناقش في "تكوين" انطلاقاً من كافة الاتجاهات من دون قيود أيديولوجية، وعقائدية، ودينية، ولا همّ لنا سوى الإنسان الذي يؤمن بعقله، ويثق بمجتمعه، ويعتمد إرادته. وُجِدَ العقلُ لا ليُحجب، والثقة لا لتُنتزع، والإرادة لا لتزول، خدمةً لسلطات وقوى لا يهدد استمرار استبدادها أكثر من حرية التفكير.

فلنفكِّر.