موجز أخبار راديو البلد
  • راصد: 61 نائبا صوتوا لصالح قانون ضريبة الدخل
  • النائب الوحش: سوء إدارة جلسات مناقشات وإقرار "ضريبة الدخل"
  • إحالة مخالفات جديدة بتقرير ديوان المحاسبة إلى مكافحة الفساد والقضاء والادعاء العام
  • دعوة الاردن للمشاركة بصفة مراقب بمحادثات أستانا حول سورية
  • وفد نيابي يغادر المملكة في زيارة إلى دمشق
  • اعتماد البطاقة الأمنية لتسجيل الطلبة السوريين في الجامعات
  • "الفينيق": ارتفاع عمالة الأطفال في الأردن إلى 70 ألفاً
  • عربيا.. قوات الاحتلال الإسرائيلي تعتقل 22 فلسطينيا بالضفة
  • أخيرا.. أجواء لطيفة في مختلف المناطق والعظمى في عمان 21 درجة مئوية
الأفعى وسرديات الخلق: آدم، جلجامش، حي بن يقظان
مؤمنون-أسماء السّكوتي 2018/02/14

العراق بلاد جلجامش وبرج بابل، ترى أيهما أسبق وهل كانت الأفعى التي سرقت نبتة تجديد الشباب هي نفسها الأفعى مزدوجة اللسان التي أحدثت البلبلة أثناء بناء البرج. كيف لنا أن نربط بين الاثنين، وليس بينهما من رابط إلا المكان، كيف لنا أن نضيف على كاهل الأفعى ذنبا جديدا، ألا يكفي أنها سبب طرد آدم من الجنة. عموما، إن هاته الحكايات الثلاث؛ حكاية آدم وجلجامش وبابل – بالإضافة إلى حكاية حي- تتناص جميعا لتروي قصة واحدة، من فصول ثلاثة، هي: إغضاب الآلهة، البحث عن الخلود، والبتلاء باللغة.

تظهر الأفعى في منتصف قصة آدم، وتوحي لحواء بضرورة الاقتراب من شجرة المعرفة، وبذلك يغضب عليها الإله، ويلعنها بقوله: “لأنك فعلت هذا، ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية. على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل أيام حياتك. وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عَقِبه”.[1]

تكون الأفعى أولى المعاقبين، ثم يلتفت الإله لحواء ومن بعدها آدم لينبئهما أن حياتهما لن تعود بالسهولة التي عهداها، ذاك أنهما الآن باتا يعرفان، وضريبة المعرفة هي الألم، إلا أن الألم لم يكن عقابا كافيا في نظر الإله، إذ سرعان ما انتبه إلى أنه إلى جوار شجرة المعرفة هناك شجرة الحياة، وأن ما جعل الاثنان يأكلان من الشجرة الأولى لن يمنعهما من الأكل من الثانية والحصول على الحياة الأبدية، هكذا يقرر الإله أن يطردهما من الجنة، لينتهي الإصحاح الثالث من سفر التكوين بكلمة الإله التالية: “هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل ويحيا إلى الأبد”.[2]

إن آدم إذن، لم يكن خالدا منذ خلقه، ولم يكن في نية الإله أن يجعله خالدا، ورغم أن الإله لم ينهَ آدم إلا عن شجرة واحدة، إلا أنه كان على علم تام أنه لن يعرف حاجته للخلود إلا إذا ذاق من شجرة المعرفة، التي كانت سببا في تعرفه على ذاته وجسده، أو بالأحرى عري جسده ومحدوديته[3]، ومن ثمة فقد كان الأكل من شجرة المعرفة شرطا ضمنيا في رحلة البحث عن الخلود، التي لم يكن في نية آدم أن يقدم عليها. لم يكن الطرد إذن بسبب الأفعى، بل لأن الشعرة الأخيرة الباقية بين الخالق والمخلوق بعد المعرفة كانت هي الخلود، وبطرد آدم من “المكان”، ووضع حارس على شجرة الحياة استطاع الإله أن يحتفظ بتفوقه ولو إلى حين.

ولكن راحة الإله لم تدم طويلا، ذاك أن زيادة البشر في عددهم أوحت لهم بإمكانية العودة إلى السماء، آنذاك انتبه الإله إلى أنه شق لسان الأفعى بعد حادثة الشجرة، ونسي أن يشق لسان الإنسان (“وكانت الأرض كلها لسانا واحدا ولغة واحدة”)، بفضل اللسان المشترك إذن استطاعوا أن ينتقلوا من “هلم نصنع لبنا ونشويه شيا”[4] إلى “هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا رأسه بالسماء. ونصنع لأنفسنا اسما لئلا نتبدد على وجه الأرض”[5]. هكذا، ولتوجس الإله من الأسماء التي يخلقها البشر من دون الرجوع إليه، اكتشف أن الطرد من المكان لم يعد كافيا، وأصبح من الضروري الطرد من اللسان الموحد والواحد، وبذلك فكر في نفسه قائلا: “هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض”[6]. وبذلك، كانت بلبلة الألسنة إصلاحا لخطأ الإله الذي اكتفى بشق لسان الأفعى وسها عن شق ألسنة البشر، مما مكنهم من الحديث بلسان واحد والطمع في بلوغ السماء وربما المطالبة لاحقا بالحق في الخلود. ليصبح تعدد الألسنة وسيلة الإله للإبقاء على الخلود لنفسه وحده.

أما ملحمة جلجامش، فتمنحنا رواية أخرى لعلاقة الإنسان بسكان السماء، ولنكتف بالوقوف عند اللوح الحادي عشر، حيث ذُكر كل من الطوفان ونهاية رحلة جلجامش. لعل أول ما يثير الانتباه في هذا اللوح هي ردود الآلهة المتضاربة بعد مشاهدة الطوفان، فبعد أن أعلنوا هلعهم على أنفسهم وشفقتهم على البشر:

“حتى الآلهة ذعرت من هول الطوفان،

هرب جميعهم صعدا نحو سماء آنو،

ربضوا عند الجدار الخارجي، ككلاب مرتعدة.

صرخت عشتار كامرأة في المخاض..

كيف أمرت بالحرب تحصد شعبي،

تدمر من أعطيتهم، أنا، الميلاد؟

وهاهم يملأون البحر كصغار السمك”[7]

ما فتئوا يعاتبون ويحاسبون الإله الذي أوحى إلى أوتنابشتيم بوسيلة ينقذ بها نفسه من الهلاك:

وعندما وصل إنليل،

ورأى السفينة، ثارت ثائرته.

استشاط غضبا من آلهة الإيجيجي:

“هل نجا أحد من الفانين؟ ألم نقرر إهلاك الجميع؟”[8]

لا يختلف موقف إنليل كثيرا عن موقف الإله من نوح وسفينته في العهد القديم، إذا بعد ما وعد هذا الأخير نوحا أن الطوفان لن يدوم أكثر من أربعين يوما وليلة امتد الطوفان مائة وخمسين يوما، بعدها فقط “ذكر الله نوحا”[9]. مما يبين بأنه كانت دائما هناك نية خفية وكامنة بوجوب محو البشرية، أو على الأقل الإبقاء عليها فانية. هكذا، لم يستطيع جلجامش أن يحصل من رحلة بحثه عن الخلود إلا على نبتة تجدد شبابه، وحتى هذه النبتة لم يلحق أن يستمتع بها، إذ سرعان ما دخلت الأفعى المشهد وسرقت النبتة، ليتجدد جلدها وتترك جلجامش إلى دموعه:

“فتشممت أفعى رائحة النبتة،

وتسللت خارجة من الماء وخطفتها،

وفيما هي عائدة، تجدد جلدها.

وهنا جلس جلجامش وبكى…

لم أجن لنفسي نعمة ما،

بل لحية التراب جنيت النعمة”.[10]

يُسند للأفعى في ملحمة جلجامش إذن دور جديد، ذاك أنها هذه المرة تقف إلى جوار الآلهة وتمكنهم من احتكار خلودهم بسرقتها لنبتة تجديد الشباب، ورغم أن نص جلجامش سابق للعهد القديم، إلا أنه ليس من الخطأ ربما أن نرى في سرقة الأفعى لنبتة الخلود إعلانا لتوبتها عن ذنب لم تقترفه بعد (إطلاع آدم على شجرة المعرفة). وكمكافأة على ولاء الأفعى لسكان السماء، تتمكن من تجديد جلدها.

شق اللسان، الالتصاق بالأرض، وتجدد الجلد، كلها خصال جعلت من الأفعى رمزا مشحونا دلاليا حاضرا بطريقة أو أخرى في كل النصوص المومئة للحظة الخلق، ورغم ذلك لا نجد لها من ذكر في التراث الإسلامي، إذ تغيب في النص القرآني ليتولى دورها الشيطان، فيما يؤدي دورها أبسال في قصة حي بن يقظان.

حي الذي فتح عينيه ليجد نفسه في جزيرته وحيدا، دون حواء تتطفل على وحدته وتشغله بجسدها عن تأملاته الفلسفية، كان قد توصل إلى معرفة كل شيء بدءا من النار مرورا بأدوات الصيد وصولا إلى الوجود الإلهي، كل هذا دون حاجة للاقتراب من الشجرة المحرمة. ولكن، حي رغم معرفته لم يستطع أن يتعرف وحده على اللغة، ومن ثمة كان لزاما أن يظهر أبسال على مسرح الجريمة.

كان حي قبل مجيء أسال قد توصل إلى الحلول في الذات الإلهية، ومن ثمة فقد كان قد اقترب من الإله لدرجة أنه لم يعد يميز ذاته عن الذات المطلقة “خطر بباله أنه لا ذات له يغاير بها ذات الحق تعالى وأن حقيقة ذاته هي ذات الحق”[11]، إلا أن الجسد منع حيا من التماهي الكلي في المتعالي، وظل يجره إلى شرطه الإنساني الذي كان يحاول أن يتعامى عنه: “وهو في ذلك كله يتمنى أن يريحه الله عز وجل من كل بدنه الذي يدعوه إلى مفارقة مقامه ذلك فيتخلص إلى لذته تخلصا دائما ويبرأ عما يجده من الألم عند الإعراض عن مقامه ذلك إلى ضرورة البدن”[12].

في إحدى خرجات حي إذن للبحث عن الطعام يلتقي بأبسال، وإذا كانت الأفعى قد سعت إلى آدم وحواء، فقد كان حي هو من جرى خلف أسال واقتفى أثره، والغريب أن ما شده إلى أسال هو نفس ما يميز الأفعى، ذاك أن أول ما أثار اهتمامه هو الجلد الذي كان يلبسه: “وتبين له أن المدرعة التي عليه ليست جلدا طبيعيا، وإنما هي لباس متخَذ” (أول من غيّر جلده/لباسه كانت هي الأفعى، ولنلاحظ أن الأكل من الشجرة واكتشاف آدم لعريه كان كله نتاج محاورة حواء للأفعى، وبذلك سيكون من المثير أن نضيف لذنوب الأفعى ذنب اختراع الملابس). أما ثاني ما أثار انتباه فهي لغته، إذ “جعل حي بن يقظان يتقرب منه قليلا وأبسال لا يشعر به حتى دنا منه بحيث يسمع قراءته وتسبيحه ويشاهد خضوعه وبكاءه فسمع صوتا حسنا وحروفا منظمة”[13]، سنكتشف بعدها أن أبسال يعرف أكثر من لغة واحدة، ومن ثمة فهو على غرار الأفعى مفلوق اللسان: “وكان أبسال قديما لمحبته في علم التأويل قد تعلم أكثر الألسن ومهر فيها فجعل يكلم حي بن يقظان ويسائله عن شأنه بكل لسان”.[14]

هكذا، يتخلى حي عن خلواته ولحظات الحلول بمجرد أن يتعرف على أبسال، وتكون أول لحظات التآلف بين الاثنين هي حين يدعو أبسال حيا للأكل معه، يقترف حي الخطيئة ويذوق من المطبوخ/الثقافة، ليفقد بذلك صلته بالإله، وعلى غرار آدم يندم على فعلته: “فلما ذاقه واستطابه بدا له سوء ما صنع من نقض عهوده في شرط الغذاء، وندم على ما فعله وأراد الانفصال عن أبسال والإقبال على شأنه من طلب الرجوع إلى مقامه الكريم فلم تتأتَ له المشاهدة بسرعة. فرأى أن يقيم مع أبسال في عالم الحس”[15]. تتعذر على حي إذن العودة إلى حالة التلاشي في الذات المطلقة حيث تمحي الفروق بين اللاهوت والناسوت، فيرضى إلى حين برفقة الرفيق الإبليس (لنلاحظ أن أبسال وإبليس هي تقليبات لنفس الجذر اللغوي)، الذي ما يلبث أن يشرع في تعليمه اللغة حتى يتعرف على حكايته (أو بالأحرى بدايته، ذاك أن قدر اللغة ألا تفارق سؤال البداية والخلق*). هكذا، يشرع في تعليمه الأسماء: “فشرع أبسال في تعليمه الكلام أولا بأن كان يشير له إلى أعيان الموجودات وينطق بأسمائها ويكرر ذلك عليه ويحمله على النطق بأسمائها ويكرر ذلك عليه ويحمله على النطق فينطق بها مقترنا بالإشارة، حتى علمه الأسماء كلها”.[16]

هل أبسال في هذه الحكاية إنسان أم أفعى أم شيطان، أم أنه كما يلمح الاقتباس الأخير إله، بما أن الإله وحده من له القدرة على تعليم الأسماء (“وعلم آدم الأسماء كلها”[17]). وبذلك، تتفجر أسئلة أكبر من أن نجيب عنها: هل يعقل أننا في سيرورة تعرية الأفعى من جلودها الإنسانية والشيطانية لم ننجح في النهاية إلا للوصول إلى أن الله هو الجلد الأصلي الكامن تحت كل هذه الأردية؟ هل يعقل أن يكون الإله (بالمفرد أو الجمع) قد تنكر في صفة الأفعى وبث في الإنسان رغبة تحديه ليعود ويعاقبه؟ وهل يعقل -إذا شططنا في التأويل بعض الشيء – أن ندعي أن الشيطان والإله ما هما في النهاية سوى لسانين في فم أفعى واحدة، وأن اللغة والكتابة ليسنا إلا صدىً للشق الفاصل بين اللسانين؟

 

0
0

تعليقاتكم