موجز أخبار راديو البلد
  • مجلس الوزراء يقرر السماح لأبناء قطاع غزة في المملكة، بتملّك شقّة في عمارة، أو منزل مستقل، وتسجيل مركبات الديزل بأسمائهم، بشروط محددة.
  • توقيع اتفاقية المنحة النقدية الامريكية الاعتيادية والمخصصة لدعم الموازنة، بما يتجاوز المليار وخمسمئة مليون دولار، خلال الشهر المقبل.
  • مدير سوق عمان المركزي للخضار والفواكه يرجح لراديو البلد، انخفاض الأسعار خلال الأسبوعين المقبلين.
  • وزارة التربية والتعليم تقرر بناء مدرسة جديدة بديلة عن إحدى مدارس لواء ذيبان، وذلك بعد اعتصام لأولياء الأمور احتجاجا على سوء البنية التحية فيها.
  • مئة وثمانية وثلاثون ألف مسافر عبروا مركز جابر الحدودي مع سوريا منذ إعادة افتتاح في الخامس عشر من تشرين الأول الماضي.
  • إطلاق أول قمر صناعي أردني مصغّر للفضاء في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، لأهداف تعليمية بحثية، إضافة إلى مهمة الترويج السياحي.
  • وأخيرا.. يطرأ انخفاض طفيف على درجات الحرارة نهار اليوم، وتكون الأجواء باردة نسبياً في معظم مناطق المملكة، ولطيفة في الاغوار والبحر الميت.
مفهوم الشعر بين أرسطو وابن رشد
مؤمنون بلا حدود 2018/11/27

الأدبي منذ ظهوره إلى الآن. والأنواع الأدبية حسب التصور الأرسطي تختلف باختلاف كل من:

1. وسائل المحاكاة، وهي: اللغة والإيقاع والانسجام.

2. مضمون المحاكاة، ويكون إما نبيلا أو رذيلا؛ أي تصوير الناس بأفضل مما هم عليه أو تصويرهم بأدنى مما هم عليه.

3. أسلوب المحاكاة، ويكون إما بسرد يستعين بضمير الغائب، أو بسرد يستعين بضمير المتكلّم، أو بحوار بين الشخصيات التي تقوم بتمثيل الأحداث. فالملحمة تكون وسيلة المحاكاة فيها اللغة، ومضمونها نبيل، وصيغتها موضوعية. أما الشعر الغنائي، فوسيلته اللغة والإيقاع، ومضمونه نبيل، وصيغته مباشرة، فيما الشعر الدرامي، يكون إما مأساة، ووسيلتها اللغة، ومضمونها نبيل، وأسلوبها حواري، أو ملهاة، وتماثل المأساة إلا أن مضمونها رذيل.

بيّن هيغل الخصائص التي تميز الأنواع الشعرية الغنائية والدرامية والملحمية، وكشف الصلة التي تربط فيما بينها، فقال: إن الشعر الغنائي “يشتمل على مواقف محددة تستطيع الذات الغنائية أن تقتبس من مضمونها عددا وفيرا من العناصر لتؤالف بينها وبين مشاعرها وعواطفها” أما الشعر التمثيلي، فيقدّم “الشخصيات وتطور عملها في واقعيتها الحية، فيغيب بالتالي وصف الأماكن والمظهر الخارجي للأشخاص وطبيعة الحدث بما هو كذلك، وتوضع الشدة الرئيسة على الدوافع والغايات الداخلية التي تحفّز وتحدد الأعمال الفردية”. أما الشعر الملحمي، فيتسع المجال ليس للواقع القومي فحسب، إنما “للظروف والوقائع الخارجية والداخلية، حيث يمكن القول إنه يشمل كلية ما يؤلف حياة البشر الشعرية” وانتهي هيغل إلى القول بأن “المادة الغنائية والتمثيلية ليست غائبة كل الغياب عن الشعر الملحمي”[1].

هذا الربط الذي كشفه هيغل بين الأنواع الشعرية مهم في سياق حديثنا عن كيفية تلقّي الثقافة العربية كتاب “فن الشعر” والكيفية التي لخّص فيها ابن رشد متن الكتاب، ذلك أن ترجمة الكتاب وشروحه وتلخيصاته ستتخطّى كثيرا مما مرّ ذكره، فلا نجد ذكرا لكثير مما ورد في الأصل اليوناني للكتاب.

(2)

لم يعرف كتاب “فن الشعر” لأرسطو ترجمة دقيقة في الثقافة العربية القديمة، فترجمة أبي بشر متّى بن يونس القنّائي كانت حرفية وبعيدة عن روح الكتاب، ولم تقترب إلى هدفه ولا سياقاته، وجارت على مفاهيمه الكبرى التي تعتبر الأساس الذي أقام أرسطو تصنيفه للأنواع الأدبية عليها، وقد احتج القدماء والمحدثون على كل ذلك. وقامت الشروح والتلخيصات من أجل تخطّي عثرات الترجمة، لكنها، في الغالب، لم تفلح في ذلك، بداية من الفارابي، ثم ابن سينا، وأخيراً ابن رشد، ظل الكتاب عسيرا على الهضم، ولم يندرج في سياق الفكر النقدي العربي، كما حصل لكتب أرسطو الأخرى التي اندمجت في سياق الفكر العقلي. لم يترجم أبو بشر متّى الكتاب عن اليونانية التي لم يكن يعرفها، إنما ترجمه عن لغة وسيطة، عن السريانية. وقد عرفت الترجمات السريانية للموروث الأرسطي بـ”الحرفية المسرفة”[2]، فغاب الأسلوب العربي السليم عن الترجمة، التي جاءت بـ”معنى مستغلق أو لفظ قلق، أو عبارة ملتوية، أو تفكير متناقض”[3]. وتتبّع شكري محمد عيّاد سقطات الترجمة في مفرداتها وتراكيبها، وكشف تفاصيل ذلك، وانتهى إلى أنها في عمومها “تلوذ بالحرفية من الدلالة على معنى محدّد، وبذلك تظل مفتوحة لشتّى التأويلات التي يمكن أن يحملها عليها القارئ، وربما انضم إلى هذه الحرفية خطأ في قراءة النص الأصلي أو فهمه، فتكون مظنّة البعد عن الأفكار الأرسطية، وانقطاع الصلة بها أظهر وأغلب”[4].

كانت هذه الترجمة مثار سخط عبد الفتاح كيليطو الذي وصفها بأنها “ركيكة منفرة، وكلامها يكاد يكون شبيهاً بهذيان المخمورين الموسوسين”[5]. وهذا أمر لفت انتباه القدماء، منذ وقت مبكر، إذ قرّر أبو حيان التوحيدي في “الإمتاع والمؤانسة” أن متّى بن يونس كان يملي، وهو “سكران لا يعقل”[6]. ومع أن هذا الموقف يكشف نوعا من العزوف عن اللغة المنطقية الدقيقة التي بدأت تعزو الثقافة العربية آنذاك، تلك الثقافة التي اعتادت الأساليب البيانية المرسلة، لكن التدقيق في ما ترجمه متّى يرجّح وجهة نظر التوحيدي، على ألا تتوارى النبرة الهجائية في خطاب التوحيدي. وترجمة الكتاب بهذه الصورة المثيرة للاستياء لم تكن غريبة، عن ترجمات أرسطو الأخرى إلى العربية، فقد اتهم صاحب “كشف الظنون” مترجمي أرسطو بالتحريف والتبديل[7].

لم يُعرف عن متّى بن يونس القنّائي كونه أدبيا، بالمعنى الذي يمكن استخلاصه من دلالة “الأديب” في العربية، فقد شغل بالمنطق، وكما يقول ابن النديم فإليه “انتهت رياسة المنطقيين في عصره”[8] وذلك في العقود الأولى من القرن الرابع الهجري. شُغل بالمنطق وتفسيره، ولهذا يسخر منه السيرافي في المناظرة التي يوردها التوحيدي، في “الإمتاع والمؤانسة” ويتهمه بأنه لا يعرف اليونانية، وجاهل في علم الشعر، بل إنه شكّك بمعرفته بالعربية، واتهمه بأنه يُزري بها، وهو يشرح كتب أرسطو[9]، فكيف الأمر في حالة ترجمتها إلى العربية!. والواقع، فقد تعرّض كثير من آل قنّائي للطعن والتشهير، جار عليهم، فيما يبدو “دير قنّى” الذي خلّده أبو نوّاس في خمرياته، وثقافتهم اليونانية، وضعف عربيتهم المباينة للأساليب البيانية العربية الشائعة، ولم يكن ذلك مقتصرا على الهجاء الجارح الذي ذكره التوحيدي، إنما نجد نظيرا له عند ياقوت الحموي[10]، والخطـيب البغدادي[11]، والذهبي[12] وكلهم يربطون بعض آل القنّائي بمواقف تبدو متطرفة، ومخالفة للتيار الرسمي في اللغة والثقافة والدين. تبدو صورتهم في الأدبيات العالمة معتمة ومنتقصة. لم ينج متّى من ذلك، كان ينظر إليه ضمن سياق خاص مشبع بدونية لا تخفى. ومن المؤكد، بأن ذلك شمل بدرجة ما ترجمته لكتاب أرسطو، لكن هذا الموقف الثقافي العام منه، لا يشفع له تخريب الكتاب.

تكشف ترجمة متّى بن يونس للكتاب أشياء كثيرة: إنها مبهمة، ملتوية، متمحّلة، جافة، غامضة، وفيها أخطاء كثيرة، وتفتقر إلى الرفعة الأسلوبية، وتتداخل فيها المقاصد الأرسطية، فلا سبيل إلى فهم أهدافها بصورة كاملة؛ فكثيرا ما استغلق عليه تحليل أرسطو المستنبط من الشعر اليوناني، فكان يلوذ بالموروث الثقافي العربي الذي لا يسعفه في ذلك؛ فترجمته لا توضح الفارق الذي يضعه أرسطو بين المأساة والملحمة، ولا كيف تطورت الأولى من الثانية، ولا معنى قول أرسطو: أن الشعر الذي يقصد به محاكاة الأخيار انتهى إلى صورته الكاملة في الملهاة (=الكوميديا) وبخاصة أن القارئ العربي لم تكن لديه فكرة واضحة عن المأساة والملهاة، وسيزداد ذلك القارئ اضطراباً في الفهم حينما يترجم متّى بن يونس المأساة بـ”المديح” والملهاة بـ”الهجاء”[13]. وسيترتب على ذلك فهم خاطئ لكل المكوّنات الخاصة بالمآسي والملاهي، وبكل الحيثيات التي يبنيها أرسطو لبلورة تصوره عنهما.

يمكن تقريب ذلك الغموض والالتواء والاضطراب بالمقارنة، يترجم متّى بن يونس المأساة بالصورة الآتية “صناعة المديح هي تشبيه ومحاكاة للعمل الإرادي الحريص والكامل، التي لها عظم ومداد، في القول النافع، ما خلا كل واحد من الأنواع التي هي فاعلة في الأجزاء لا بالمواعيد، وتعدّل الانفعالات والتأثيرات بالرحمة والخوف، وتنقي وتنظف الذي ينفعلون، ويعمل أمّا لهذا فقول النافع له لحن وإيقاع وصوت (ونغمة) وأمّا لهذا فيجعله أن تستتمّ الأجزاء من غير الأنواع التي بسبب الأوزان، وأيضاً عندما يعدّون أُخَرَ التي تكون بالصوت والنغمة يأتون بتشبيه ومحاكاة الأمور”[14]. أما الملهاة، فيترجمها بالصورة الآتية “ومذهب الهجاء هو كما قلنا شيء مستهزأ في باب ما هو قبيح، وهي جزء ومستهزئه وذلك أنّ الاستهزاء هو زلل ما وبشاعة غير ذات ضغينة ولا فاسدة. مثال ذلك وجه المستهزئ: هو من ساعته بشع قبيح، وهو منكر بلا ضغينة”[15].

الترجمة الدقيقة لنصوص أرسطو، تؤدي المعنى بوضوح، وبدلالة مختلفة عما جاء في ترجمة متّى، فشكري محمد عيّاد يترجم التعريفين المذكورين بالصيغة الآتية: “التراجيديا هي محاكاة فعل جليل، كامل، له عظم ما، في كلام ممتع، تتوزع أجزاء القطعة عناصر التحسين فيه محاكاة تمثل الفاعلين ولا تعتمد على القصص، وتتضمن الرحمة والخوف لتحدث تطهيراً لمثل هذه الانفعالات. وأعني “بالكلام الممتع” ذلك الكلام الذي يتضمن وزناً وإيقاعاً وغناء، وأعني بقولي تتوزع أجزاء القطعة عناصر التحسين فيه أن بعض الأجزاء يتم بالعروض وحده على حين أنّ بعضها الآخر يتم بالغناء”[16]. أما الملهاة، فهي “محاكاة الأدنياء، ولكن لا بمعنى وضاعة الخلق على الإطلاق، فإن “المضحك” ليس إلا قسماَ من القبيح، والأمر المضحك هو منقصة ما وقبح لا ألم فيه ولا إيذاء. اعتبر ذلك بحال القناع الذي يستخدم للإضحاك، فإن فيه قُبحاً وتشويهاً، ولكنه لا يسبب ألماً”[17].

تتكشّف-عبر المقارنة-التعمية في ترجمة متّى، ليس في الأسلوب المتكلّف الحرفي، فحسب، إنما في مقاصد أرسطو التي يريد إبرازها من خصائص لكل من المأساة والملهاة، الأمر الذي سلب من المفهومين الشهيرين في الآداب اليونانية دلالتهما، فضّلت مبهمة، غائمة، لم تفهم في الثقافة العربية.

كان عبد الرحمن بدوي قد استدرج من سوء فهم وترجمة متّى لكل من المأساة والملهاة وأشياء أخرى كثيرة في كتاب أرسطو نتيجة مهمة، عبر عنها بقوله: لو قدّر لكتاب فن الشعر “أن يفهم على حقيقته، وأن يستثمر ما فيه من موضوعات، وآراء ومبادئ لعُني الأدب العربي بإدخال الفنون الشعرية العليا فيه، وهي: المأساة والملهاة، منذ عهد ازدهاره في القرن الثالث الهجري، ولتغير وجه الأدب العربي كله”[18] القول بأن الأدب العربي كان سيتغير في ضوء فهم العرب لقوانين الشعر الإغريقية أمر لا يستقيم مع وجود الآداب القومية التي تنشأ في محاضن ثقافية خاصة، وتتميز بسمات خاصة بها، والواقع فغياب الأنواع الأدبية اليونانية في الأدب العربي، لا ينتقص منه، كما أن خلو الآداب الأخرى من أنواع وأغراض شائعة في الأدب العربي لا يخفض من قيمتها. ولكن لو ترجم كتاب فن الشعر ترجمته دقيقة لتغير تصور العرب القدماء عن الآداب اليونانية نفسها، ولأدركوا التباين بين آدابهم وآداب اليونان، ولتجنبوا كثيرا البحث عن المماثلة المتعسفة بينهما، ولأعطاهم ذلك تصورا أفضل عن خصوصيات أدبهم والآداب الأخرى. بدأ الخطأ إذن بسوء فهم، ثم انتهى بسوء تفسير، وسوء مقارنة. بدأ الخطأ مع متّى بن يونس، ثم استفحل بعد ذلك، واستقر مع ابن رشد.

(3)

مرّ على معرفة العرب بكتاب أرسطو، قبل ابن رشد، حوالي قرنين ونصف. فقد عرفت الفلسفة الأرسطية، وشاع منطق أرسطو في الثقافة العربية. وعلى الرغم من ذلك، فإن كتاب “فن الشعر” لم يستأثر إلا باهتمام الفلاسفة، والشذرات المتناثرة التي تتردد في تضاعيف كتب النقد لا تقيم الدليل على أن الكتاب قد أصبح منشّطاً في النقد القديم. وتفسير كل ذلك هو أن الشرّاح العرب قد أدرجوا الكتاب في صلب فلسفة أرسطو، فكان الكتّاب عندهم جزءاً من منطقه، وهكذا شُرح وفُسّر ضمن الأفق المشبع بمفاهيم المنطق والفلسفة، ولمّا عورضت أمثلته بنماذج من الأدب العربي، كما وقع ذلك في شرح ابن رشد، حدث سوء فهم واضح في مقاصد أرسطو. لم يشرح ابن رشد الكتاب بالطريقة نفسها التي شرح فيها كتاب أرسطو (ما بعد الطبيعة)، فعمله يتردد بين التلخيص والشرح، وذلك فرض عليه التخلّص من الأمثلة التي أوردها أرسطو للنصوص الأدبية اليونانية، وبها استبدل النصوص العربية من شعر وآيات قرآنية.

من المعروف بالنسبة إلى شروح ابن رشد وتلخيصاته، أنها أخذت ثلاثة أشكال، هي: تفاسير، وتلخيصات، وجوامع، فطريقته في التفاسير أنه يورد مقاطع من نصوص أرسطو من الترجمة العربية الشائعة، ثم يبادر إلى تفسيرها وشرحها شرحا دقيقا وعميقا، وهو يأخذ في أثناء ذلك مما لديه من تفاسير المفسرين اليونانيين المترجمة إلى العربية، وأحيانا ينتقدها، ثم يبيّن ما أدركه من نص أرسطو. أما في التلخيصات، فإنه يورد الكلمات الأولى من نص أرسطو، ثم يشرح بقية المواد بلغته، ويضيف إليها آراءه الشخصية، والمعلومات التي لديه من مصادر الفلاسفة المسلمين، حيث يبدو الأثر بشكل كتاب مستقل، تمتزج فيه أقوال أرسطو بأقوال ابن رشد، ولا يمكن تمييز إحداهما عن الأخرى. أما طريقة ابن رشد في الجوامع، فإنه يتحدث دائما عنها بنفسه في الوقت الذي يبين عقائد أرسطو وآراءه، ويأخذ خلال ذلك مما في كتبه الأخرى لبيان وإكمال النص الذي ين يديه، ويضيف إليها من معلوماته[19].

إذا نظرنا في تلخيص ابن رشد لكتاب “فن الشعر” لوجدناه يندرج ضمن الطريقة الثانية، فهو مزيج من تصورات ابن رشد المستنبطة من النص الأرسطي المترجم ترجمة سيئة إلى العربية، كما ذكرنا، وفيه يكشف ابن رشد عدم درايته بالأدب اليوناني الذي جعله أرسطو متناً للتحليل في كتابه، ووثوقه بالترجمة العربية، وذلك قاده إلى توهم العلاقة بين الأغراض الشعرية العربية، وبخاصة المديح والهجاء، والأنواع الخاصة بالشعر المسرحي عند اليونان، وهي المأساة والملهاة، وبالنظر إلى اختلاف الأغراض عن الأنواع باعتبار الأولى موضوعات والثانية أنساق وأبنية فنية، فقد أقام مشابهة مغلوطة بين الاثنين استناداً إلى تفسير ضيق خاص بالوظائف وليس بالسمات الفنية، وبهذا يكون وقع في خطأين الأول: انتزاع تصور نقدي من سياق أدبي وتطبيقه في سياق مختلف، والثاني إخضاع نصوص أدبية تكوّنت في سياق خاص لسياق لا علاقة لها به. إلى ذلك، فإن “كل مصطلح يعجز عن فهمه فهو يرده إلى عادة معروفة في الشعر العربي”[20].

جاء تلخيص ابن رشد في سبعة فصول للأصل الأرسطي الذي يتكوّن من سبعة وعشرين فصلاً، كما جاء في ترجمة شكري عيّاد. وباستثناء الفصل الأول المشترك بينها، فابن رشد اعتبارا من الفصل الثاني يقوم بتلخيص الفصول ودمجها. فالثاني لديه يقابل الثاني والثالث في الأصل، والثالث يقابل الرابع الخامس، والفصل الرابع يقابل الخامس والسادس، والفصل الخامس يقابل الفصول من السابع إلى الحادي عشر، فيما الفصل السادس تلخيص للفصول من الثاني عشر حتى التاسع عشر، وأخيرا، فالفصل السابع تلخيص للفصول الأخيرة بداية من الفصل العشرين إلى نهاية كتاب أرسطو. وفي ضوء ذلك، تنتقي فكرة الشرح المباشر لتحل محلّها فكرة التلخيص، وبلجوء ابن رشد إلى حذف النصوص اليونانية، واقتراح النصوص العربية، يكون قد تخطى هدفه كشارح إلى معرّف بتصور أرسطو. وفي هذه المهمة لم يحالفه النجاح، كما حالفه في الشروح والتلخيصات الأخرى.

يظهر ترحيل كتاب “فن الشعر” إلى العربية مفارقة يصعب تصديقها، مفارقة تتصل بعدد الأنواع الشعرية، فأرسطو يتحدث عن: الملحمة والمأساة والملهاة والدوثورمب، لكن العدد يتناقص إلى ثلاثة في ترجمة متى بن يونس القنّائي، وهي: المديح والهجاء والديثرمبو، ثم ينتهي إلى اثنين عند ابن رشد: المديح والهجاء. هذا التناقص لا يكشف فقط سوء الترجمة والتلخيص، إنما يفضح جهل المترجم والملخّص بالأنواع الشعرية التي يتحدث عنها أرسطو في كتابه. ويكشف التلخيص عن مفارقة أخرى، لا تقل خطرا عن الأولى، فالنصوص الأدبية اليونانية تتضاءل إلى أن تختفي، فتقدم عن جزء قليل منها خلاصات لا قيمة معرفية لها، وبالمقابل يتزايد عدد النصوص الأدبية والدينية العربية، فيكاد يغصّ الكتاب بها، تزيد الشواهد الشعرية العربية عن مائة بيت، فيما تبلغ الشواهد القرآنية خمسة عشر شاهدا، ويتردد مصطلح “أشعار العرب” وغيره في تضاعيف الكتاب من أوله إلى آخره، وذلك في سياق شرح فن شعري يساء فهم مكوناته، وهو المأساة، فيعامل على أنه المديح.

(4)

استند تصور ابن رشد للشعر، في سياق تلخيصه لكتاب أرسطو، إلى ركيزتين: التاريخ والطبائع. التاريخ يتدخّل في ضبط مسار الشعر وتطوره، والطبائع تتدخل في تصنيفه. من الواضح أن ابن رشد في الركيزة الأولى يكشف عن رؤية تاريخية سليمة، فالشعر ظاهرة أدبية/ ثقافية متطورة عبر الزمن، لكنه في الثانية ينقض ذلك التصور، حينما يدخل قضية الطبائع في تصنيف الشعر، فهو يجاري أرسطو، وعموم الفكر القديم القائل بالثنائيات الضدية، فالنفوس تكون بطبعها إما فاضلة أو خسيسة، فالطيبة بطبيعتها تنشئ المديح، والخسيسة بطبيعتها تنشئ الهجاء “إذا نشأت الأمة تولّدت فيها صناعة الشعر من حيث إن الأول يأتي منها أولا بجزء يسير، ثم يأتي من بعده بجزء آخر، وهكذا إلى أن تكمل الصناعات الشعرية، وتكمل أيضا أصنافها بحسب استعداد صنف صنف من الناس للالتذاذ أكثر بصنف صنف من أصناف الشعر. مثال ذلك، أن النفوس التي هي فاضلة وشريفة بالطبع هي التي تنشئ أولا صناعة المديح- أعني مديح الأفعال الجميلة – والنفوس التي هي أخس من هذه هي التي تنشئ صناعة الهجاء- أعني هجاء الأفعال القبيحة-وإن كان قد يضطر الذي مقصده الهجاء/ للشرار والشرور أن يمدح الأخيار والأفعال الفاضلة، ليكون ظهور الشرور أكثر-أعني إذا ذكرها ثم ذكر بازائها الأفعال القبيحة”[21].

يكتنف الإبهام كل المصطلحات التي يقوم عليها كتاب أرسطو، مترجما وملخصا؛ ففضلا عن الخطأ الجسيم في وضع المديح والهجاء كمقابلين للمأساة والملهاة، فإن العناصر المكونة للمأساة، وهي التي تشكل متن الكتاب، كما هو معروف، تقدّم بغموض لا يقل عن المفهومين المذكورين. يذهب أرسطو إلى أن المأساة تتكون من العناصر الآتية: القصة، الأخلاق، والعبارة، والفكر، والمنظر، والغناء، فتتحول عند متّى إلى: الخرافات، والعادات، والمقولة، والاعتقاد، والنظر، والنغمة، ثم تنتهي عند ابن رشد إلى: الأقاويل الخرافية، والعادات، والاعتقادات، والنظر، واللحن. يفهم وجه القصور عند متّى إذا أخذنا بالاعتبار سيادة الروح الحرفية في ترجمته، وقصورها بصورة عامة، ولكن في حالة ابن رشد، وهو مشتغل على فلسفة أرسطو، وملخص لها، وشارح لغوامضها، يصعب فهم الأمر، من ناحيتين: الأولى غياب ذلك في الشعر الذي يعالجه، والثاني اضطراب الفهم، من ذلك تفسيره لعنصر المنظر، وهو أحد مكونات المسرحية المأساوية، فهو لا ينتبه إلى أن شعر المديح يختلف عن الشعر الذي يعالجه أرسطو، فلا تتوفر فيه تلك العناصر، تغيب عنه الحكاية/الأقاويل الخرافية، وتغيب العادات والاعتقادات والمناظر، وربما الألحان، فهذه من مكونات المسرحية. ولعل المفارقة تنبثق من ثنايا الجهل؛ حينما يحاول ابن رشد تفسير (المنظر) فيشتقّه من السياق الثقافي للفكر العربي بالنسبة إليه، فيظن أنه (النظر) كما جاء في ترجمة متّى، فيقول بأنه “إبانة عن صواب الاعتقاد”، وهو ضرب من الاحتجاج لصواب الاعتقاد الممدوح به، ولما يبحث عمّا يقابله في أشعار العرب، ينتهي إلى أنه لا يوجد إلا في “الأقاويل الشرعية المدحية” فالمديح لا يلائمه الاحتجاج بصواب الاعتقاد، إنما بقول محاك، ذلك أن “صنعة الشعر ليست مبنية على الاحتجاج، والمناظرة، وبخاصة صناعة المديح”[22].

ويلاحظ ابن رشد نقصا في كتاب أرسطو، لكنه يعزو ذلك إلى الترجمة وليس إلى الأصل، والنقص كما هو معروف متصل بمعالجة أرسطو للملهاة، لكن ابن رشد لا يجد النقص معيبا، فالتحليل الخاص بالمأساة، وعند ابن رشد بالمديح، يكفي إذا فهم بضده “الذي نقص مما هو مشترك هو التكلّم في صناعة الهجاء، لكن يشبه أن يكون الوقوف على ذلك يقرب من الأشياء التي قيلت في باب المديح، إذ كانت الأضداد يعرف بعضها من بعض”[23] لن تصرف هذه الملاحظة القصد غير المباشر الذي تحمله في طياتها. إنها تؤكد أن ابن رشد يعتبر المديح هو الأصل، ومنه تشتق قواعد الشعر، وبالنظر إلى أن الجزء الخاص بالهجاء لم يترجم، كما تخيّل هو، فيكفي قلب الدوار، فكل المعايير تستبدل بنقائضها لتكون صالحة، المديح والهجاء محكومان بعلاقة ضدية، فقلب السنن الخاصة بالمديح، يؤدي إلى إظهار سنن الهجاء المخفية في كتاب أرسطو.

اعتبر كيليطو شرح ابن رشد لكتاب أرسطو شائنا فاضحا، فابن رشد الذي كان يطمح إلى الوفاء التام لأرسطو، قد خانه هذه المرة، فشوّه أفكاره، بلا تعمّد طبعا، ومن دون أن يفطن إلى ذلك لحظة. إنه بمجمل القول شرح يستعصي على القراءة، لا نفع يُتوخّى منه لمن يريد الاعتماد عليه لإثراء فهمه لفن الشعر، فلو ضاع كتاب أرسطو هذا، لما تسنّى تمثّل موضوعه وتصوّر محتواه من خلال ابن رشد، بل أكثر من ذلك لكي نفهم كلام هذا الأخير، لابد من الرجوع إلى أرسطو، حيث نجد أنفسنا أمام مفارقة لاشكّ في أنها خطرت ببال العديد من القرّاء: ليس ابن رشد هو الذي يشرح أرسطو، بل إن الثاني هو الذي يشرح الأول[24].

برهن تلخيص ابن رشد الخاطئ لأفكار أرسطو في مجال الشعر على قضية مهمة في الأدب، قضية السياقات الثقافية التي تغذي النصوص الأدبية بخصائصها؛ فالتراسل بين المرجعيات الثقافية والنصوص الأدبية قوي وفاعل في صوغ العناصر الأساسية للمادة الأدبية، وفي ضوء ذلك يكون استحضار السياقات الثقافية ضروريا لكل شرح أو تفسير أو نقد يتوخّى الدقة. في حالة ابن رشد، وسلالة الشرّاح والملخّصين والمترجمين لكتاب “فن الشعر” جرى تغييب للسياق الثقافي اليوناني الذي يشكّل مرجعية مباشرة لكتاب أرسطو، وبه استبدل سياق ثقافي عربي مختلف، أدى بداية من الترجمة الأولى، وانتهاء بتلخيص ابن رشد إلى مبادلة غير صحيحة، لا يمكن أن يقبلها الأدب، ولا المجتمع الأدبي العارف، مبادلة في المفاهيم الأساسية، ومبادلة في النصوص التمثيلية لتوافق سياقا مختلفا عن ذلك الذي احتضن الكتاب في الأصل. وتبع ذلك سوء فهم في الوظائف، وفي المماثلة الخاطئة بين أغراض شعرية عربية، وأنواع شعرية يونانية.

[1] هيغل، فن الشعر، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، 1981، ص ص 172-173

[2] أرسطو، كتاب أرسطوطاليس في الشعر، نقل أبي بشر متّى بن يونس القنّائي، حققه مع ترجمة حديثة، شكري محمد عياد، القاهرة، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، 1967، ص 179

[3] م. ن. ص 179

[4] م. ن. ص 190

[5] عبد الفتاح كيليطو، لن تتكلّم لغتي، بيروت، دار الطليعة، 2002، ص 110

[6] أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، تصحيح أحمد أمين وأحمد الزين، القاهرة، لجنة الترجمة والتأليف والنشر، ص، ج1، ص 107

[7] مصطفى بن عبدالله (= حاجي خليفة)، كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، بيروت، دار الكتب العلمية، 1992، ج1، ص 510 و ص 683

[8] محمد بن إسحاق النديم، الفهرست، تحقيق ناهدة عباس عثمان، الدوحة، دار قطري بن الفجاءة، 1985، ص 534

[9] الإمتاع والمؤانسة، ج1، ص 111 و116

[10] ياقوت الحموي، معجم البلدان، بيروت، دار الفكر، ج2، ص 528

[11] الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، بيروت، دار الكتب العلمية، ج8، ص 135 و136

[12] الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم عرقسوسي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ج14، ص 366 و339

[13] كتاب أرسطوطاليس في الشعر، انظر دراسة محمد شكري عيّاد الملحقة بالكتاب، ص 188

[14] م. ن. ص 49

[15] م. ن. ص 45

[16] م. ن. ص 48 ترجمة عياد الملحقة بالمصدر السابق

[17] م. ن. ص ص 45-46

[18] أرسطو طاليس، فن الشعر، ترجمه عن اليونانية وشرحه وحقق نصوصه عبد الرحمن بدوي، بيروت، دار الثقافة، 1973، ص 56

[19] كاظم الموسوي البجنوري (مشرف) دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، طهران 1998، ج3 ص 138

[20] كتاب أرسطوطاليس في الشعر، ص 16

[21] ابن رشد، تلخيص كتاب الشعر، تحقيق تشارلس بترورت، وأحمد عبد المجيد هريدي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987، ص 64

[22] م. ن. ص 72

[23] م. ن. ص 132

[24] لن تتكلّم لغتي، ص 48

0
0

تعليقاتكم