موجز اخبار راديو البلد امن الدولة تفرج عن 9 موقوفين من اصل 26 في قضية "بسطات العبدلي" المستقلة للانتخاب تؤكد أنها لا تملك حق التغيير أو التدخل في المدد الزمنية التي حددها القانون سيف: الاردن يواجه تحديات جسيمة في قطاع الطاقة وتبعات الأزمة السورية كتلة المبادرة النيابية تجمع على ترشيح حديثة الخريشا الفايز لـ”عمان نت”: تسعيرة المشتقات النفطية مرهون بالقرار السياسي النسور: ليس لدينا سجناء رأي ولا أشخاص مبعدون او ممنوعون من العودة الى الوطن الأردن يطلب ايضاحات من إسرائيل حول "تقاسم الاقصى" إغلاق عدد من الطرق الرئيسية في عمان بمناسبة انطلاق ماراثون عمان الدولي
قمامة الأغنياء على بسطات سوق البقعة
2009/09/02

ثمة فئة من الناس تشكل حاوية القمامة مصدر لقمة عيش لهم، وعادة يمارسونها خفية في جنح الليل، وليست أية حاوية تصلح للبحث فيها، فحاويات مناطق الطبقة الغنية في عمان هي مقصدهم الأول، ويبيعون بعض ما يجمعونه طوال أسبوع أو أكثر في سوق يعرف بهذا النوع من المبيعات، هو سوق الخميس في مخيم البقعة. 

 

 

وهناك من يستيقظ منذ ساعات الفجر الأولى ليلحق بسوق الخميس الذي يبدأ منذ الساعة الخامسة صباحا ويمتد ليوم الجمعة، لكي ينتقي أفضل الأشياء من "البضاعة" المعروضة على قارعة الطريق.

قد يبدو الأمر غريبا أن تقوم بشراء أشياء خرجت من رحم الحاوية، فعلى امتداد 1000 كيلو متر من شارع يمتد من نهاية سوق الخضار في مخيم البقعة إلى مقبرة المخيم، هنالك عشرات البسطات على قارعة هذا الشارع، والتي تزخر محتوياتها بأشياء ثمينة وأخرى تافهة،وما يثير الدهشة امتلاء السوق بالمبتاعين والمتفرجين من المارة منذ ساعات الصباح الأولى.

وقد يجد المتسوق جميع ما يلزمه في السوق من الأقلام إلى التحف والأجهزة الكهربائية،وأجهزة الكمبيوتر،وجميعها تباع بأسعار زهيدة على عكس الأسواق الأخرى، وما يلفت انتباهك بأن زبائن السوق ليسوا من سكان المخيم فقط،ولكن يوجد تجار متخصصون من خارج البقعة يشترون الأشياء الثمينة كالأثريات أو الكتب وغيرها،وتفاجأ بأناس من طبقات غنية يمارسون هوايتهم هنا بشراء الأشياء القديمة والمميزة .

بدايات السوق

بداية إنشاء السوق كانت على يد شخصين أحدهما محمد الغزاوي الذي توجه  في إحدى أيام الخميس عام 1992 إلى ما أصبح الآن يدعى بسوق الخميس، وبعد 17 عاماً  يعج السوق بأكثر من مائتي بائع على مختلف أعمارهم.
 
سوق الخميس يعرف أيضا بسوق الأمانة،فمعظم البائعين فيه هم بالأصل عمال نظافة في أمانة عمان يعملون في الأحياء الراقية، وما يجدونه في الحاوية أو بجانبها  يجمعونه ليبيعوه في سوق الخميس.
 
رحلة البحث عن القمامة …. ثروة أم موت؟!

"لمـّامو" النفايات في مخيم البقعة لا يبحثون عن الثروة ولكن كل ما يبحثون عنه لقمة تسد الرمق وتستر الحال،فجميعهم يعانون ظروفا معيشية صعبة،ولا يستطيعون سد حاجاتهم الأساسية.

رافقت الثلاثيني  محمد الغزاوي "أبو إيهاب" في رحلة بحثه عن القمامة في حاويات مناطق معينة اختارها كضاحية الرشيد،الجاردنز،تلاع علي،عبدون وقد خرجنا مساء حتى لا يراه أحد وهو يجمع القمامة،"فما زالت النظرة دونية للباحثين في القمامة "، يقول أبو إيهاب.

وركبنا " بكب" صغير الحجم متوجهين إلى منطقة ضاحية الرشيد، ورافقنا أيضا ابنه إيهاب ابن العشر سنوات الذي يشاركه العمل أثناء العطلة المدرسية الصيفية، و يتولى مهمة القفز في الحاوية ليخرج ما فيها من أشياء تصلح للبيع كعلب  العطر الفارغة،ملابس،حتى الخبز.

رحلة البحث هذه ليست بالهينة، تقود صاحبها إلى مصير مجهول وخطر محدق به،فسبق وأن تعرض أبو إيهاب لتسمم في يده من إحدى الحاويات أقعده عن العمل فترة طويلة "نتعرض لمخاطر كبيرة لكن ماذا نفعل هذا مصدر رزقنا".
 
أبو إيهاب ممن لا يحملون رقما وطنيا، فهو من أبناء قطاع غزة،لذلك من الصعب أن يحصل على عمل،إضافة لمعاناته كباقي الغزيين بقضايا متعلقة بالتأمين الصحي، والتعليم ، وغيرها .

ووجد أبو إيهاب  نفسه بعد فترة طويلة في البحث عن عمل يجمع القمامة ويقوم بتوزيع العمل أيضا على أبنائه وزوجته في المنزل،ليقوموا بفرز ما يأتي به مساءا من الحاويات"الفواكه لا أستطيع شراءها  لأبنائي،لذلك أحصل عليها من الحاويات والتي عادة ما تكون في حالة جيدة "يقول أبوايهاب.

وأحيانا قد لا يوفق في رحلة البحث كما حدث معنا في هذه الجولة بين الحاويات،ليخرج بأشياء بسيطة كقطع بلاستيكية،ومعدنية،وبعض الأحذية ليجمعها ويبيعها بمبلغ يسد حاجة أسرته الأساسية من مأكل ومشرب وأجرة منزل .

الكثير من البائعين يستفيدون من البيع إلى حد ما، في هذا السوق كـأبو إيهاب والذي أصبح لديه سيارة"بكب"يجمع بها ما يخرجه من الحاويات بدلا من حملها في أكياس على ظهره كما كان سابقا ،كما تدور الحكايات عن بعض من حالفهم الحظ  ليخرجوا من السوق ويصبحوا من ملاكي العقارات كخضر، وهو من أوائل البائعين في هذا السوق . 

حكايات غريبة:

الحكاية تبدو غريبة، ولكن الأغرب تلك الحكايات التي يجسد مئات البائعين المتعبين من فقر الحال والباحثين عن الرزق أبطالها، فتلك أم زياد ذات الأربعين عاما، تعمل منذ 11 عاما في هذا السوق،ظروفها أجبرتها لكي تعيل أسرتها المكونة من 3 أطفال وأب متخلف عقليا،ليس لها منزل وتسكن في منزل أخيها ،تبيع الملابس المستعملة التي تحصل عليها إما من أهالي الإحسان،أو من خلال خدمتها بالمنازل كبدل أجرة.

أما هاني بائع التحف والذي يتجاوز عمره الخمسين عاما،مقعد بسبب مرض ألم به،هوايته جمع التحف والذي لازمته منذ الطفولة ليجد نفسه في هذا السوق منذ 7 سنوات، يلتقط التحف من البائعين في السوق ويبعها على بسطات خاصة به،وثمن القطعة يحددها نوعها "هناك قطع لا يستطيع أهالي المخيم شراءها،ولكن يشتريها تجار متخصصون بذلك من عمان،أو لمحبي اقتناء الأثريات من الأغنياء" بحسب هاني .

وفي أحد زوايا السوق حكاية أخرى لبائع الكتب عبد الرحمن المرزوقي،الرجل المشاكس في السوق،لا يخاف أحدا في قول الحق وهذا ما يجعل البعض يبغضه،أكمل دبلوم صيدلة، وتغرب لسنوات ليعود أثناء حرب الخليج وليفاجأ بعدم الاعتراف بشهادته داخل الأردن،واضطر بعدها للعمل واشترى بمبلغ خمسة دنانير مجلات وأنشأ "مكتبة الرصيف"كما يقول المرزوقي،وكان ينادي بشيء من السخرية على المارة:اطلب العلم ولو في "الطين"،فكثيرا ما كانت تتسخ الكتب لأنها على الأرض .

انتقل المرزوقي من المتاجرة ببعض الكتب  ليصبح  لديه ما يزيد عن خمسة آلاف كتاب وقصة،يشتريها من البائعين في سوق الخميس أو ممن يرغب ببيع الكتب من  أهالي المخيم،واكتسب خبرة لسنوات طويلة في الكتب وأنواعها.

وطالب المرزوقي المسؤولين عدة مرات بتنفيذ فكرة مشروع، يخدم طلاب الجامعة الأردنية من خلال إنشاء مكتبة ضخمة في نفق الجامعة الأردنية،ويتابع"لا أحد يسمعني لإنشاء هذا المشروع ".

وأثناء حديثي مع المرزوقي دخل الطبيب العام محمد عباس،ليسأل عن أحد الكتب،فهو كما يقول"اعتدت شراء كتب قيمة من هنا،وأحيانا أجد كتب طبية قديمة".

علي عامل نظافة في أمانة عمان، حاله كحال العديد من عمال النظافة، الراتب لا يكفي لعائلة يتجاوز عدد أفرادها الخمسة ، ينتهي منذ استلامه، يقول: "ما يصلح في الحاويات  للبيع آخذه وأجري عليه التعديلات إن كان يحتاج لذلك،وأبيعه في سوق الخميس".

في نهاية تجوالك في السوق ترتسم لديك صورة لا يمكن أن تنسى عن سوق تتعدد حكاياته وشخوصه ويبقى هو صامدا على مر السنين، ورائحة لأغراض أصلها الحاوية، ليزداد مرتادوه مع الغلاء المعيشي .

0
0

تعليقاتكم

*