هل أنقذ القذافي ..الأسد؟

كان هناك تردد كبير في الإدارة الأميركية لدخول حرب ليبيا، عام 2011، وإسقاط معمر القذافي، بعد 42 عاماً من استيلائه على الحكم، ولكن الذي حسم الأمر موقف وزيرة الخارجية حينها هيلاري كلينتون، التي تبنت وتتبنى مبدأ آخر سوى “عدم التدخل” الذي يتبناه الرئيس باراك أوباما، تسميه “القوة الذكية”، وهو ما يمكن أن نراه في الشرق الأوسط ومناطق أخرى لو فازت في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” نهاية شهر شباط (فبراير) الفائت مقالا، مطولا، أقرب لكتاب صغير، يعتمد على بحث مطول وعشرات المقابلات، عن كيف اتُخذ قرار حرب ليبيا، ويكشف المقال جوانب من دور وتفكير وعقل ونفسية كلينتون. وكيف أنّ الموقف الأولي لإدارة أوباما كان ضد أي تدخل في ليبيا، بل وحتى ضد اتخاذ مجرد قرار في الأمم المتحدة، لدرجة أن سوزان رايس، مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، اتصلت بنظيرها الفرنسي، وتحدثت معه بشأن عزم باريس ولندن إصدار قرار بشأن ليبيا في مجلس الأمن، بكلمات غاضبة وبألفاظ صعبة، تحذره من “جرّنا إلى حربكم”. ولكن هيلاري قرأت عن ليبيا، وجلست مع قيادة المعارضة، وكان لها رأي آخر.
في وزارة الدفاع كان هناك رفض للحرب، لعدة أسباب، منها أنهم لا يريدون حربا ثالثة، قبل الخروج من العراق وأفغانستان، وأنّ معمر القذافي كان متعاونا معهم، فبعد خشيته من مصير صدام حسين، أصبح “يساعد” الولايات المتحدة ضد تنظيم “القاعدة”، وبحسب كلمات وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أثناء الجدل عن ليبيا “هو لا يشكل تهديدا لنا في أي مكان. هو فقط خطر على شعبه”. بينما كانت كلينتون تتبنى موقفا آخر، هو عدم جعل التاريخ يفوّت بلادها، بمعنى أن لا تترك التغيرات تجري دون موقف، ومن هنا كانت أيضاً، ومعها غيتس، يعتقدان أنّ “أوباما لا يجب أن يستعجل وقف الدعم (للرئيس المصري) حسني مبارك”. ويتضح أنها بينما كانت تقدم وعودا متحمسة للمعارضة الليبية كانت تعمل بنعومة وتأنٍ وتدرّج على نشر رؤيتها للتدخل في ليبيا. وكما يقول غيتس، كان الأمر أشبه بقرار (51- 49)، وبهدف محدد هو منع مذابح ضد المدنيين. واستخدمت كلينتون علاقتها الشخصية الطيبة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتخفيف معارضته، وتجاوز وزير خارجيته المتشدد سيرجي لافروف. ولكن الأمر سار في اتجاه خاطئ وصارت ليبيا دولة فاشلة، ومركزا للتنظيمات “الإسلامية المتطرفة”.
تدافع كلينتون الآن عن “تدخلية أكثر في سورية”، وتقدم تفسيرات لما حدث في ليبيا. ويمكن عمليا الاستنتاج أن عدم جريان الأمور في ليبيا كما تشتهي كلينتون، منع تكرار تدخل شبيه في سورية، وقوى الجناح الذي يرفض التدخل، داخل إدارة أبواما، بل وجاء بجون كيري، خلفاً لها، وهو الذي كان يدافع يوماً، عندما كان في مجلس الشيوخ، عن تحسين العلاقات والتعايش مع نظام الأسد.
عقدت كلينتون، عقب التدخل الأميركي في ليبيا، لقاءً في جامعة الدفاع الوطني الأميركي، واعتبرت ليبيا مثالا على سياسة “القوة الذكية”، وقالت “لأول مرة لدينا تحالف فاعل بين العرب والناتو، وصار لديك عرب يقومون بعمليات القصف”، وقالت “هذا هو العالم الذي أريد رؤيته بالضبط، حيث لا تقوم الولايات المتحدة بالعمل، بينما يقف الجميع جانبا، ونحن نتحمل التكلفة والتضحيات”.
لا يبدو أن كلينتون تراجعت عن أفكارها حتى لو سارت الأمور بشكل خاطئ في ليبيا، وتقول أنْ نُلام على ما فعلنا، خير من أن لا نلام على ما لم نفعل، وتضرب مثلا، من عهد زوجها الرئيس بل كلينتون، أن التدخل الأميركي في كوسوفو والبوسنة جعل الضرر أقل كثيرا من عدم التدخل في راوندا.
رغم أن حملتها الانتخابية للرئاسة الأميركية لا تسير بسلاسة إلا أنها أقرب للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لها، ولو اكتمل طريقها للبيت الأبيض، فهي تبحث عن سياسة تدخلية أكثر، من سياسة أوباما، وتؤمن بتحالفات مع القوى الإقليمية، ليجري التدخل بالشراكة معها أو بواسطتها، في حروب وأعمال ترتب وضع البلدان التي تشهد اضطراباً، دون انتظار تطور الصراعات، ودون الاكتفاء بموقع المتفرج أو التدخل المحدود جداً.

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق

جميع الحقوق محفوظة © لـ Community Media Network