ما هو أقل من احتواء الصراع في سورية

يرقى ما يحدث في سورية إلى درجة إهانة الولايات المتحدة الأميركية لذاتها، والتخلي عن مقومات مكانتها كقوة عظمى، وإعلان كلي للفشل. وإذا كان الأميركيون واضحين في الحديث أنّهم غير مستعدين للتورط في هذا البلد، لأنه لا مصلحة قومية حقيقية لهم في هذا التدخل؛ فسقوط نظام بشار الأسد أو بقاؤه لا يعنيان شيئاً استراتيجياً مهماً للمصالح الأميركية ولحليفتها الأهم (إسرائيل)، إلا في ضوء من هو البديل؛ فإنّ العجز عن تطبيق أي قرار دولي، بات يهدد مكانة الولايات المتحدة، وقدرتها على الردع، ومصداقية مواقفها السياسية.
في حقل دراسات الصراع، عدة مستويات للتعامل مع أي صراع. أولها، الاحتواء؛ والثاني، الحل، والثالث، التحويل.
والاحتواء هو وقف المظاهر العنيفة، أو الحد منها قدر الإمكان، ثم ربما في مرحلة لاحقة السعي إلى حل الصراع أو تسويته. أمّا الحل، فيقوم بمحاولة إنهاء أو معالجة القضية سبب الصراع. فيما التحويل هو نهج ظهر في تسعينيات القرن الماضي بشكل أساسي، ويقوم على التغيير والتحول في أطراف وبيئة الصراع، قبل معالجة قضية الصراع؛ فلا يتم العمل على الصراع وقضيته، بقدر ما يكون العمل على تحولات فكرية واجتماعية واقتصادية في بيئة الصراع وبين أطرافه، ليحدث تحول في رؤيتهم للموضوع الصراعي.
ذهب الأميركيون للعراق ولديهم خطة طموحة للغاية لتحويل المجتمع العراقي، وأمركته، وإدخاله دوائر الليبرلة الأميركية الجديدة، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، التي تغنى بها فرانسيس فوكاياما وبول وولفويتز وباقي المحافظين الجدد حينها، تمهيداً لتحويل باقي منطقة الشرق الأوسط. ثم، وعلى صخرة فشلهم في فهم المنطقة، وأمام فشلهم في فهم أطراف ومجتمع الصراع في العراق والمنطقة، تورطوا وورطوا العالم بتنظيمات انبثقت عن السلفية الجهادية و”القاعدة”، والتي سبق ودعموها وأوجدوها في أفغانستان في نهاية السبعينيات. ومع الورطة هناك، رضوا باحتواء الصراع، وباتوا يدافعون مثلا عن فكرة “الديمقراطية التوافقية”، حيث تقتسم الطوائف والإثنيات الحكم والسلطة، وحيث القبائل والتنظيمات الطائفية الموافقة على التعاون معها، لسبب أو لآخر، يقفون في وجه إرهابيي “القاعدة”، فرضوا بأي حل يضمن احتواء الصراع، وتخلوا عن كل أضغاث أحلام القدرة على “الهندسة الاجتماعية”. وتحول البعض، مثل فوكوياما، لعدو للمحافظين الجدد وفكرهم. وجاء باراك أوباما رئيساً أميركياً يسعى في بداية عهده لإثبات أنّه لا يؤمن بمقولات سلفه جورج بوش الابن.
هذا السقوط من برج تخيل القدرة على تحويل العالم وتشكيله وهندسة مجتمعاته، جاء مدوياً لدرجة التهرب من القيام بواجبات الدولة العظمى. ولم تعلن إدارة أوباما أنها لن تتدخل في سورية، وربما لو فعلت ذلك لكان أفضل لها، ولكنها هددت النظام السوري عدة مرات بالتحرك وضربه لو استخدم السلاح الكيماوي، ولكنها لم تفعل، ولم تسهل حتى مناطق حظر جوي.
تتسم المفاوضات الحالية بـ”التواضع” في فرض حلول مستمرة في سورية. فالأطراف المتصارعة رفضت أن تستخدم مصطلح “هدنة”، أو “وقف إطلاق نار”، وأصرت عن قصد على استخدام مصطلح “وقف الأعمال العدائية”، باعتباره أقل أهمية من هدنة، بما يتضمنه من مؤشرات لقبول حلول سياسية تبقي وتعترف بالأطراف المتفاوضة.
تشير التقارير الواردة من فيينا، حيث تلتقي مجموعة دعم سورية، أنّ وزيري الخارجية الأميركي جون كيري، والروسي سيرغي لافروف، يبحثان عملية إسقاط مساعدات غذائية من الجو للمناطق المحاصرة، مع استمرار تعذر إيصالها برا. والدخول في هذه العملية المكلفة وغير الفعالة، والتي تعني أيضاً، كما حصل سابقاً، أنّ الأغذية قد تصل لليد الخطأ من أنصار النظام والجماعات المسلحة المناوئة، هي واحدة من أقل درجات الاحتواء طموحاً، حيث تَقنَع القوى العظمى بتقزيم دورها لمحاولة تقليل تداعيات المظاهر العنيفة للصراع، من دون وقفها.
صحيح أنّ الصراع في سورية لم يكن في بداياته يعني شيئاً مباشراً للمصالح والأمن القومي الأميركي، ولكن بتحول هذا البلد إلى قاعدة لتنظيمات “جهادية” لديها برنامج عابر عالمي، ثم بصورة العجز شبه الشامل للإدارة الأميركية عن التعامل مع مثل هذه الأزمة، وصورة تحرك قوى إقليمية ودولية لتغيير وقائع المشهد السوري، بعد حالة الجمود الأميركي، تجعل الأميركيين بلا مصداقية في أي تحذير يطلقونه في أي قضية، ويجعل واشنطن كمن يدفن رأسه في الرمل.

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق

جميع الحقوق محفوظة © لـ Community Media Network