«القاعدة» تنقل ثقلها إلى سوريا

يبدو أن تنظيم «القاعدة» المركزي في أفغانستان وباكستان بزعامة أيمن الظواهري، قد حسم خياراته الاستراتيجية بنقل مركز ثقل التنظيم إلى سورية، فقد جاء خطاب الظواهري، الصادر عن مؤسسة «السحاب» الإعلامية التابعة للتنظيم، تحت عنوان «انفروا للشام» في 5 أيار 2016، واضحا بدعوة أتباع وأنصار القاعدة إلى «النفير للشام» وتصعيد العمل العسكري في سورية، وذلك في سياق تفكك التنظيم في مركزه الرئيس في أفغانستان وباكستان، وتراجع فرعه الأنشط تاريخيا في اليمن بعد مقتل أميره أبو بصير ناصر الوحيشي، وهزيمته في المكلا عاصمة حضرموت، والتحاق مجموعة من القيادات التاريخية بفرع التنظيم الشامي «جبهة النصرة».
يراهن الظواهري على فرع تنظيم القاعدة في سورية «جبهة النصرة»، في لحظة بالغة الحساسية والتعقيد تمر بها الأزمة السورية على الصعيدين السياسي والعسكري، فالعملية السياسية متعثرة واتفاقات الهدن لا تصمد، وتشتعل جبهات القتال في أكثر المناطق، وتنشط عملية الاستقطابات ويعاد تشكيل الاصطفافات وبناء الجبهات، في ظل تصاعد دور «جبهة النصرة» التي حققت خلال الشهرين الماضيين مكاسب واضحة، جعلت العديد من الفصائل المسلحة تعيد النظر في مسألة «الهدنة» التي تحققت عقب التفاهم الروسي ـــ الأميركي، وبدأت بالتفاهم مع «النصرة» لتقويض وتفجير الاستقرار الهش.
خطاب الظواهري بالنفير للشام كان حاسما بحسم خيارات «جبهة النصرة» لاتخاذ قرارات مصيرية دون مواربة أو لبس كما كانت خطاباته السابقة الداعية إلى الصلح وحقن الدماء والحرص على الحاضنة الاجتماعية، رغم أن خريطة الطريق التي وضعها لتحقيق ذلك تبدو معقدة ولا يمكن تطبيقها عمليا، فدلالة عنوان الخطاب مكثفة وواضحة، فهي دعوة صريحة من قبل الظواهري لأتباعه وأنصاره في مختلف أنحاء العالم للالتحاق بجبهة الشام والمشاركة في القتال فيها كخيار قاعدي وجودي.
لقد جاءت قرارات الظواهري عقب سلسلة من الانتكاسات التي تعرض لها تنظيم القاعدة وفروعه الإقليمية، فمنذ اغتيال زعيم القاعدة السابق أسامة بن لادن في 2 أيار 2011، وتولي الظواهري تعرضت القاعدة في باكستان لاختراقات كبرى وتم تصفية معظم قياداتها بدءا من أبو يحيى الليبي وعطية الله الليبي 2012، وصولا إلى قاري عبيد الله منصور (القاري عمران) مسؤل القاعدة في أفغانستان في قصف للطائرات الأميركية في 5 كانون ثاني 2015، ثم مسؤول العمليات بالتنظيم، عدنان شكري جمعة، خلال عملية للجيش الباكستاني في كانون أول 2015، وبعدها مقتل المتحدث باسم تنظيم القاعدة آدم غدن المعروف بلقب «عزام الأميركي في نيسان 2015، من خلال طائرة من دون طيار على الحدود الباكستانية الأفغانية.
لقد أدت فعالية برنامج الطائرات بدون طيار في أفغانستان وباكستان إلى تصفية معظم قيادات القاعدة، الأمر الذي جعل من القاعدة مجرد ظل لحركة طالبان، وقد ظهر ذلك جليا بعد الإعلان عن مقتل الزعيم التاريخي لطالبان الملا عمر في 29 تموز 2015، والذي تبيّن أنه ميت منذ 3 سنوات، ثم إعلان الحركة عن انتخاب الملا أختر محمد منصور زعيما جديدا في 31 تموز 2015، إذ لم يتأخر الظواهري أكثر من ساعات ليعلن عن بيعته للزعيم الجديد وذلك في 1 آب/ أغسطس 2015، رغم الخلافات داخل الحركة على الزعامة، وقد أعلن البنتاغون عن مقتل أختر منصور في 21 أيار 2016، الأمر الذي سوف يضع الظواهري في محنة حديدة لانحيازه لمنصور رغم الخلافات.
لم يكن خطاب الظواهري بنقل ثقل التنظيم إلى سورية مجرد رغبة وأمنية، فقد سبق الخطاب جملة من الإجراءات العملية، حيث قامت «جبهة النصرة» بالتشاور مع قيادتها العامة في «خراسان»، واتخذت قرار التصعيد، وذلك لاعتبارات عديدة ومنها تجنب التعرض لمصير تنظيم «القاعدة في اليمن» الذي اضطر للانسحاب من المكلا وبعض المدن الأخرى في نيسان الماضي بعد أن أحكم سيطرته على عدة مناطق قبل عام، قبل أن تقوم قوات التحالف بقيادة السعودية بطرد التنظيم، الأمر الذي دعا الظواهري إلى القول إن «واجبنا اليوم هو الدفاع عن الجهاد في الشام ضد المؤامرات التي تحاك له»، مركزاً على دور «دولة آل سعود ربيبة أميركا وبريطانيا» في هذه المؤامرات.
هكذا تحولت سورية حسب رؤية «القاعدة» إلى ملاذ أخير تخوض فيه حرب وجود، ومسرحا لاستعراض القوة وإعادة بناء التنظيم لمواصلة أنشطتها الدولية المعولمة، الأمر الذي جعل الظواهري يتبنى موقفا لا لبس فيه من تنظيم «الدولة الإسلامية» باعتباره دولة وخلافة زائفة بعد أن سلبه تنظيم الدولة دوره التاريخي كممثل للجهاد العالمي، فالظواهري يؤكد في خطابه على أن ما حدث في سورية يمثل «الثورة الشعبية الوحيدة من ثورات الربيع العربي التي انتهجت الطريق الصحيح: طريق الدعوة والجهاد لإقامة الشريعة والخلافة، وشدد الظواهري على ما اعتبرها «قضية حياة أو موت بالنسبة للمجاهدين»، في إشارة منه إلى موضوع الوحدة بين الفصائل. لكن إدراك الظواهري لأهمية موضوع التوحد لم يمنعه من الطعن بالتيارات الإسلامية الأخرى، والتحذير من مشاريعها وقرع جرس الإنذار، لئلا تتكرر بعض تجاربها في بلدان أخرى، مثل مصر والجزائر.
لا شك بأن خطاب الظواهري يمثل توجيهات وخطة عمل لمشروع القاعدة المستقبلي، فهو يتخلى عن توجيهاته السابقة بالحرص على الحاضنة وحرب الإنصار، فقد انتقد مشروع جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، ومشروع «الغلاة» سواء السابق في الجزائر في تسعينيات القرن الماضي أو الحالي الذي تمثله «خلافة إبراهيم البدري» (أي أبو بكر البغدادي)، كما انتقد المشاريع الإسلامية المدعومة من بعض الدول والتي تهدف إلى «إقامة نظام يتمسح بالإسلام في الشام لكنه يقدم إسلاماً مزيفاً يتوافق مع العلمانية والدولة الوطنية والنعرة القومية»، وهذا الانتقاديشمل بشكل خاص «جيش الإسلام» و»حركة أحرار الشام»، ولا غرابة أن تبدأ النصرة بالاشتباك مع هذه الفصائل في الغوطة وغيرها، بعد خطاب الظواهري، بل وتكفيرها أحيانا، ذلك أن «النصرة» بحسب إشارة الظواهري هي «طائفة مجاهدة من خيار الأنصار والمهاجرين ثابتة على الحق لا تتزحزح عنه، التفّت حولها الأمة المسلمة في الشام».
يشير خطاب الظواهري إلى أن الجدل الذي انشغلت به «جبهة النصرة»،  على مدى أكثر من عامين حول موضوع «فك الارتباط» بتنظيم القاعدة أصبح من الماضي، رغم قوله «إذا اختار المسلمون في بلاد الشام حكومة مسلمة وإماماً لهم فإن هذا الاختيار هو اختيار القاعدة»، إذ يعلم الظواهري أن خيارات الشعب السوري لا تتوافق مع شروطه باختيار «حكومة إسلامية وإمام لها»، وذلك أن الفصائل الإسلامية قررت مع انطلاق مؤتمر جنيف الاجتماع على موضوعة «مدنية الدولة السورية المستقبلية»، الأمر الذي يمكن فهم خطاب الظواهري الصارم باعتبار المؤتمرات مجرد مؤامرات تحاك للمجاهدين في «جنيف والرياض وهدنة وقرار مجلس الأمن» في إشارة إلى محادثات جنيف، ومؤتمر الرياض للمعارضة السورية الذي انبثقت عنه «الهيئة العليا للمفاوضات»، واتفاقات الهدن بتفاهم روسي ـــ أميركي، والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن حول الأزمة السورية.
يحاول الظواهري أن يستعيد جاذبية خطاب القاعدة الذي فقد بريقه بعد مقتل بن لادن وصعود تنظيم الدولة الإسلامية بالتركيز على القضية الفلسطينية، فهو يدعو الجهاديين للقدوم إلى أرض الشام من كل العالم، مذكّراً بأن «المجاهدين في الشام يقفون على حدود فلسطين»، الأمر الذي تعزز بظهور حمزة بن لادن، نجل زعيم التنظيم أسامة بن لادن، بعد أقل من ٢٤ ساعة على خطاب الظواهري بتسجيل صوتي آخر، يدعو فيه إلى تشكيل جيش ضخم لتحرير القدس، قبل أن يُعقِّب قائلاً: «الطريق لتحرير فلسطين اليوم، هو ميدان الشام».
خلاصة القول أن محاولة القاعدة إعادة التموضع في سورية تكتنفها صعوبات وتعقيدات جمة، إلا أن خيارات «النصرة» أصبحت محدودة وهي تخوض حرب وجود، وسوف تعمل على فرض سيطرتها المكانية وتتخلى عن نهج حرب الأنصار والتكيفات مع الحواضن الاجتماعية، وستخوض معارك طاحنة مع كافة الأطراف والفصائل الأخرى، وفي ظل ضعف فرص نجاح المفاوضات فنحن أمام صيف سوري حار قد يطال لهيبه الجوار.

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق

جميع الحقوق محفوظة © لـ Community Media Network