الحقيقة.. الضحية الأولى للأزمة السورية!

الحقيقة، بعد الشعب السوري وشعوب المنطقة واستقرار ومصالح دولها، هي الضحية الاولى للازمة السورية المندلعة منذ اكثر من خمس سنوات، والتي حصدت وما تزال الارواح والمقدرات والاستقرار، والاسوأ من كل هذه الخسائر هو خسارة المستقبل لشعب تشرد ثلثه تقريبا بين المنافي القريبة والبعيدة.
لم تترك الازمة السورية وحربها الاهلية، بتداخلاتها الاقليمية والدولية المعقدة، ندوبها وشروخها العميقة في الجسد السوري، ارضا وشعبا، فقط، بل تعدتها لاحداث انقسامات ضميرية وفكرية سياسية عميقة، طالت المشهد العربي قاطبة، بنخبه وعوامه، واخرجت للعلن اسوأ ما في الواقع العربي والاسلامي من انقسامات وتشظيات سياسية وطائفية وفكرية، تصطدم بتداعياتها وتجلياتها في كل ساعة، وانت تقرأ ما يسطر من مقالات وتصريحات وتعليقات وحوارات حول هذه الازمة وتشابكاتها السياسية والدينية والطائفية والفكرية!
ثورة شعبية ام حرب اهلية؟ معركة الشعب السوري ضد نظامه ام حرب على سورية وشعبها ودورها ومستقبلها؟ حرب بالوكالة او مباشرة بين المحاور الدولية والاقليمية ام هي حرب واضحة بين الطغيان والدكتاتورية وبين شعب ثائر؟ هل هي معركة السوريين لاقامة دولة الحرية والكرامة والديمقراطية ام هي حرب اقامة “الخلافة الاسلامية” او “مشروع الاسلام السياسي”، ووفق نماذج يقدمها اكثر من 200 فصيل وتنظيم “معارض” مسلح؟
هي اسئلة قد تبدو للغارقين بالاستقطاب والانقسام، من سوريين وعرب، نخبا ومن العوام، نوعا من الترف، او حتى نوعا من الانحياز المسبق من قبل مطلقها، فالخنادق والجبهات قد تحددت وفرزت، وبات الحق ابلج والباطل ظاهرا! وما على الجميع الا تحديد خندقه وجبهته! اما الحقيقة ورؤية الواقع كما هو، وتحليله بموضوعية، قبل بناء المواقف وفتح جبهات الشتائم والتكفير والتخوين ضد المخالفين، فذلك في آخر سلم الأولويات!
ثمة من يريد ويصر على اقناعنا ان الازمة اليوم في سورية هي بين فسطاطين واضحين، هما نظام دكتاتوري طائفي وحلفاؤه وداعموه الدوليون والاقليميون من جهة، وبين الشعب السوري وممثليه من جماعات وتنظيمات معارضة، مدعومين بمواقف مناصرة لدول اقليمية ودولية! فيما علينا نحن المتلقين، امام ما تضخه ترسانة اعلامية كبيرة ومؤسسة واسعة من “مثقفين وسياسيين ودعاة”، وتنظيمات اسلامية، التسليم بان الفرز واضح، وان الثورة الشعبية واضحة، عليكم الانحياز لها علنا، والا بتّم “علمانيين وقوميين ويساريين” متواطئين مع الدكتاتورية والظلم! اما الارهاب والتطرف الديني والطائفي، ورفض الاخر، في صفوف “الثوار والثورة” وتنظيماتها، فهو محض افتراء “علماني”، او مجرد مؤامرة من النظام ذاته لتخريب الثورة وصورتها!
ليس مقبولا منك ان ترفض ايديولوجيا وبرنامج جيش الاسلام او جبهة النصرة او جيش الفتح.. والسلسلة الطويلة من التنظيمات “الاسلاموية” المسلحة، التي لا تخفي شعارها باولوية الصراع الطائفي على السياسي، وبسعيها الى اقامة “دولة الخلافة الاسلامية المثالية” انطلاقا من سورية، وعلى حساب امال وطموحات شعبها، بكل طوائفه وتوجهاته السياسية والفكرية.
ليس مبررا لك ان تتوقف طويلا عند الدور التخريبي لتركيا ودول عربية واقليمية اخرى في سورية، وسطوها منذ اللحظة الاولى على حراك وثورة السوريين ضد الظلم والدكتاتورية، وجر الصراع لمساحات تصفية الحسابات والمصالح الاقليمية والدولية، وفتح خزائن المال والسلاح و”المجاهدين” وفتاوى الدعاة والمؤسسات الدينية المسيسة والاعلام، حتى غرقت سورية وشعبها في بطن الحوت، وبات الخروج من هذه الكارثة حلم ليلة صيف!
باتوا يريدون اقناعنا بان الثورة على الظلم السياسي والدكتاتورية هي صنو للطائفية والتطرف الديني والفكري، وانها تتم بتسليح الثورة واقامة امارات الشر والتقسيم الطائفي والعرقي، وحرق الاخضر واليابس. يريدون اقناعنا ان الصراع مع ايران على النفوذ والمصالح لا يأتي الا بالرد على اذكاء ايران للطائفية في العراق، بتعميم التجربة واذكاء الطائفية المقابلة في سورية ولبنان وكل ارض العرب والمسلمين، ولا بأس من الاستعانة بفكر الكهوف المتحجرة في افغانستان، وزوايا الظلمة من قاعدة ونصرة و”داعش” وتفريخاتها!
نعم.. إنها حرب على الحقيقة والوعي، قبل أن تكون حربا علينا وعلى شعوبنا ومصالحنا.. ومستقبلنا.

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق

جميع الحقوق محفوظة © لـ Community Media Network