دستور روسي لسوريا

قدمت روسيا مشروع دستور جديد لسوريا، سوف يتم عرضه على مجلس الأمن، من أجل تحصيل التوافق الدولي عليه أولاً، قبل جمع الأطراف السورية المقبولة دولياً في جنيف للتوافق الشكلي على الدستور الجديد ثانياً، على طريق التسوية المقترحة على الصعيد الداخلي السوري وعلى طريق التسوية الشاملة بعد ذلك، وحسب ما نشر في وسائل الإعلام، جاء الدستور بصياغة جديدة، تناولت ابتداءً تغيير اسم الجمهورية، ليصبح الجمهورية السورية بدلاً من الجمهورية العربية السورية، كما تم اسقاط المادة التي تنص على أن دين الدولة الإسلام، وأن الفقه الإسلامي المصدر الرئيسي للتشريع. وكذلك جاء الدستور ليؤكد الإقرار بتقسيم سوريا إلى مناطق بحسب الأغلبيات السكانية العرقية والمذهبية، وإعطاء بعض الصلاحيات لما أطلق عليها «الإدارات المحلية» فيها بإقرار بعض التشريعات الخاصة، على طريقة الحكم الفدرالي كما ورد الاقتراح سابقاً على لسان وزيري الخارجية الروسي والأمريكي، ولذلك سوف يتم تحديد إقليم خاص للأكراد في الشرق والشمال السوري ،لإرضاء الأكراد أولاً ولخلق حالة من المحاصصة السياسية التي تديم أمد الفرقة بين مكونات الشعب السوري للأبد، ومن أجل خلق حالة مؤرقة لتركيا على حدودها الجنوبية. المشروع الجديد يزيل الصفة التشريعية عن رئيس الجمهورية، ويعدل في الشروط السابقة، ويحدد ولاية الرئيس لدورتين فقط، بالإضافة إلى خضوع القوات المسلحة له، وأبقى له صلاحية التعبئة العامة، واتخاذ الإجراءات الضرورية للتصدي للخطر في حالة تعرض البلاد للعدوان، وتم توسيع صلاحيات مجلس الوزراء في الشؤون الإدارية والاقتصادية، وينص المشروع على تغيير القسم، والإشارة إلى الاقتصاد الليبرالي، وأن المنظمات الدينية أمام القانون سواء دون تمييز لدين بعينه. هناك ملامح وإشارات واضحة لتغيير معالم المنطقة كلها وفق منظور دولي جديد، وأن (سايكس بيكو) أصبحت من الماضي فعلاً، بعد أن تغيرت معالم الدولة العراقية والسورية، مما يمهد الطريق أمام تصور قادم (لوضع إسرائيل) في التسوية القادمة، حيث أن «إسرائيل» بادرت بقراءة المشهد بعناية وتستعد للاستثمار فيه بجدية، حيث تم تعيين «ليبرمان» وزيراً للدفاع، مع أنه ليس عسكرياً ولا خبرة له بالجيش والعسكرتاريا، مما يدل دلالة واضحة أن «إسرائيل» لا تستعد للحرب وإنما تستعد للتسوية على نقيض الانطباع السائد، لأن ليبرمان الذي يقف على حافة التطرف اليميني يملك القدرة على التوقيع دون أن يستطيع أحد المزاودة عليه، كما أقدم الليكود سابقاً على قيادة عملية التسوية من الجانب «الإسرائيلي». روسيا أصبحت هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري، وهي المفوضة بتحديد مستقبل الجمهورية العربية السورية، وهي التي تمنحه الدستور الجديد، بطريقة تتجاوز أشكال الاستعمار السابقة والانتداب والوصاية، وهي التي تحدد الأطراف المقبولة على مستوى المعارضة السورية السياسية، وهي التي تختار من يمثل النظام، ولذلك فإن «إسرائيل» تعد نفسها للتفاوض مع روسيا  وليس مع سوريا، ولعل «ليبرمان» يملك القدرة على تفهم النفسية الروسية بعمق لأصوله الروسية. الشعب السوري هو الغائب الوحيد عما يجري بشأنه بخصوص مستقبل التسوية، وينطبق عليه قول الشاعر : وَيُقْضى الأمْرُ حينَ تَغيبُ تَيْمٌ وَلا يُسْتَأمَرُونَ وَهُمْ شُهُودُ، والمشكلة نفسها تتكرر مع معظم الشعوب العربية التي لم تتجاوز حالة التغييب والاستغفال التي مضى عليها عدة قرون من الزمن وليس عدة عقود، وسوف يبقى الإصلاح عصياً على الأمة العربية وسوف يبقى مستقبلها محاطا بالغموض، ما زالت الشعوب لم تصل إلى مرحلة التمكين الحقيقي، سواء عبر عوائق داخلية أم خارجية.

الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق

جميع الحقوق محفوظة © لـ Community Media Network