الكتاب.. نعي الورقي وميلاد الرقمي

الكتاب.. نعي الورقي وميلاد الرقمي
الكتاب.. نعي الورقي وميلاد الرقمي
الرابط المختصر

مثقف يساري كتب على صفحته الشخصية على الفيسبوك الـ (ستيتس) التالي: " أشعر بيتم مفاجئ بعد ضياع مكتبتي الالكترونية خلت ان ضياع الكم الورقي ما يوجع بين النوعين، لكن من أين لي بروح لتعويض آلاف الكتب التي اختلستها أو صورتها أو تملقتها أو صدفتها طوال سنين؟ ارغب ببكاء مرير.."، هكذا نعى مكتبته التي فقدها بكبسة زر عندما ارسل جهاز الكمبيوتر الى محل الصيانة لعمل (فورمات).

نعي مؤلم، يُثبتُ للأثر الذي أحدثته التكنولوجيا بما توفره من كم معرفي متاح بالمجان على المشهد الثقافي، حيث حلت منافساً للكتاب الورقي الذي يعاني سوقه كساداً منذ سنوات.

الباحث والكاتب الصحفي ابراهيم غرايبة يدافع عن الواقع الجديد الذي فرضته التكنولوجيا ويبشر بمستقبل مزهر للكتاب الرقمي امام واقع متردي للكتاب الورقي ومستقبل يكتفه الغموض.

غرايبة لا يرى في تراجع الاقبال على الكتاب الورقي تراجعاً في مستوى القراءة، بل على العكس يقول: " القراءة في تحسن مستمر بفعل الوفرة المجانية للكتب على الشبكة العنكبوتية".

تفاؤل غرايبة غير معزز بإحصائيات رسمية مع استمرار عشوائية التعامل الالكتروني مع الكتب في العالم العربي وعدم دخول البيع الالكتروني مرحلة التنظيم، وفي ظل تسليمه بتطور حركة النشر والترجمة كما ونوعا مقارنة بالماضي، وان كان تطورا شهدته دور النشر بسوريا، لبنان، العراق ومصر دون ان ينعكس على دور النشر في الاردن كما يقول.

رائحة الكتاب

هشام المعايطة صاحب خزائن الجاحظ يقلل من اثر الرقمي على الورقي، يقول :" للورق رائحة مميزة، وجاذبية لا يتنازل عنها القارئ"، تابع بعد وقت مستقطع باع خلاله رواية باولو كويلو الشهيرة الخيمائي لفتاه في مقتبل العشرينيات " للقراءة طقس لا يوفره الانترنت ".

خزائن الجاحظ تمثل ارثا تاريخيا يعود للعام 1850 ميلادي عندما حجز لها والد جدّه سليمان المعايطة مساحة على جدار باب العمود، ليرثها بكامل محتوياتها بعد وفاة والد جده، جده خليل في مواصلة للرحلة التي وصلت بالخزائن تحت ادارة الاب ممدوح متنقلة بعد اجتيازها الضفة الغربية اثر النكبة من سوق اليماني الى مكان قريب من البنك العربي تلاه مساحة على جدار سبيل الحوريات، ليتنتهي المقام بها تحت إدارة هشام في شارع الأمير محمد عند زاوية شارع بسمان مقابل البريد المركزي.

رحلة تاريخية ترسم في وجه هشام الفخر ، ليس فخرا بصمود الخزائن التي ضمت كتباً تاريخية فقط، بل فخر بصمود الكتاب الورقي الذي يستبشر خيرا بمستقبلة.

المستقبل يبشر كذلك سامي ابو حسين صاحب كشك الطليعة، لم يعد الكتاب المعروض للنظر فقط، الاقبال على شراء الكتب في ازدياد.

الكشك القابع منذ خمسين عاما بين مطعمي القدس وجبري قريباً من مكتبة المحتسب ومقابل مقهى السنترال، يشهد حراكا نشطا مقارنة بالسنوات الماضية، بقول سامي " المثقفون عادوا الى الكتاب وبرز جيل جديد من القراءة يواظب على متابعة حديث الإصدارات".

التفاؤل الذي يضج بقلبي سامي وهشام يعبر عنه غالبية العاملين في سوق الكتب.

انبعاث الروح

يؤرخان لانبعاث الروح في سوق الكتاب بالعام 1991 مع توافد العراقيين الى الاردن في اعقاب حرب الخليج الاولى، ومواصلة توافدهم في اعقاب الحروب التي اعقبت تلك الحرب، يجمعان " العراقي مثقف حقيقي".

يقول سامي " قبل قدوم العراقيين اندثرت مصنفات كاملة ودخلت مرحلة النسيان وبعد قدومهم انبعثت تلك الكتب من جديد"، ليس اول تلك اشعار الجواهري والرصافي ومصنفات الفلسفة والتاريخ كما يقول.

المثقف العراقي غير محدود الاهتمام، يقول هشام، وبحسبه فبعد زمن طويل ومن التركيز على كتب الرواية وكتب الدارسين اعاد العراقيون النبش في الذاكرة واعادوا كتباً اهملت لتتصدر واجهات الاكشاك.

اندفاع المثقف العراقي واحتلاله للمشهد الثقافي بث الروح في العديد من المثقفين الاردنيين الذين انكفأوا ردحا من الزمن، فقادتهم اقدامهم الى اكشاك الكتب لتعويض ما فاتهم من إصدارات، غير انها كانت عودة خجولة كما يتفقان.

الى جانب العراقيين يزاحم فلسطينيو الـ 48 المشهد الثقافي، حيث يقبلون على شراء الكتب بنهم وان لم يصل نهم العراقيين، يأتون الى كشك الطليعة محملين بقوائم طويلة من اسماء الكتب التي حرم الاحتلال الصهيوني دخولها، غير ان صاحب خزائن الجاحظ يقول ان اهتماماتهم تنحصر في كتب القضية الفلسطينية والأدب، لكنهم يشكلون نسبة عالية من المقبلين على الشراء.

القارئون الجدد والتقليديون

امام اكشاك الكتب تلمح جيلا من الشباب المنحنين يتصفحون بأعينهم اسماء الكتب المصفوفة على البسطات، ويمدون ايديهم ليقلبوا بعضها قبل ان يدخلوا مع صاحب الكشك في حوار حول سعر الكتاب او مقترحات لكتب ينصح بقراءتها.

جيل جدد من القراء برزوا في السنوات الخمسة الماضية تتراوح اعمارهم حسب هشام وسامي بين العشرين عاما والثلاثين، تنصب اهتمامات غالبيتهم على الرواية وكتب الادب مع افضلية لليساري

حيث تكفي نظرة سريعة على اكشاك الكتب لاكتشاف عودة الادب الروسي الذي غاب عنها فتجد روايات مكسيم غوركي، ميخائيل شولوخوف و ليو تولستوي وغيرهم الكثير، كما لم تغيب عن الاكشاش كتب مشاهير الرواية العربية امثال عبد الرحمن منيف، غسان كنفاني، احلام مستغانمي وغيرهم لكن مع تنوع في اعمالهم بعد ان كان الطلب محصوراعلى اعمال محددة.

اياً منهما لم يلحظ اثرا للربيع العربي على واقع الكتاب، يجمعان ان ما يحدث تطور منطقي لحالة الاقبال الضعيفة والتي نمت تدريجيا، يقودها جيل من الشباب الباعث عن المعرفة.

هشام يحمل على جيل القراء الجدد الذي لا يخفي اعجابه بحماسته عدم منهجية القراءة، اذ يقبلون على الرواية الحديثة النابضة بالفلسفة والرمزية دون التأسيس القائم على تنوع القراءات.

ويغمزان الى ظهور جيل من الشباب يعتبر الكتاب موضة ، حيث يقبلون على الشراء لاغراض الاستعراض واحيانا يفدون جماعات برفقة اصدقاء وصديقات للشراء بعد حوارات طويلة قبل ذلك.

المحجمون عن القراءة او من يشكلون النسبة الاقل من المقبلين على شراء الكتب من تمتد اعمارهم بين الثلاثين وحتى الخمسين، ليعود الزخم لمن هم دون سن الخامسة والخمسين كما يتفقان، عودة تحمل نوعا مختلفا عن الاهتمام بحيث تشمل كتب التراجم، السيرة الذاتية، التاريخ، السياسة والأديان.

اغراءات وصالونات

يتنافس اصحاب الأكشاك في وسط البلد على الاستحواذ على القدر الاكبر من القراء وكلا منهم طور لنفسه طريقته الخاصة لذلك، سامي يعلق على ابواب مكتبة الطليعة تصنيفات تتنوع بين الاكثر مبيعا، اخر الاصدارات العربية، اخر الترجمات، الحائزون على الجوائز وأعظم الروايات العربية والعالمية وغيرها من التصنيفات، يؤكد ان هذه القوائم تشجع على الشراء وغالبا ما تكون من ضمن الخيارات المطروحة.

ميز صاحب خزائن الجاحظ نفسه عن جميع الأكشاك بنظام الاستعارة والتبديل، هشام يعير الكتاب لمدة شهر مقابل مبلغ زهيد لا يتعدى الدينار، كما يسمح بتبديل الكتاب الذي يشتريه الزبون مقابل فرق دينار عند التبديل.

نظاما الاستعارة والتبديل ساهما في زيادة الاقبال على الكتب الورقية بعد ان كان احد اسباب الاحجام عنها ارتفاع أسعارها، كما يقول.

اضافة الى اغراء المشتري والاستعارة والتبديل، دأب اصحاب الأكشاك على اقامة صالونات ثقافية، ففي الساحة المقابله للطليعة يجتمع عدد من المثقفين صباح الجمعة في لقاء يحمل عنوان " صحبة الجمعة" يتبادلون خلاله الافكار ويتناقشون حول اهم القضايا الثقافية والسياسية والاجتماعية.

فيما يجلس على الاعمدة الرخامية التي تحيط بخزائن الحائط عصر كل خميس مجموعة شبابية لمناقشة كتاب يتم تحديد عنوانه سلفا وغالبا ما يصاحب الجلسة عزف تقدمه فرقة ايقاع المدينة.

في الفترة الاخيرة تشكلت العديد من المجموعات الشبابية الثقافية كـ انكتاب، عمانيون، احبار اضافة لمبادرة كتابي كتابك الهادفة الى انشاء جيل من المطالعين، مجموعات يعلق عليها اصحاب الأكشاك تعميم القراءة كظاهرة تنعكس على تعافي سوق الكتب.

الشكل والجوهر

في المقاهي التي انتشرت حديثا تحت مسمى التقليدية اصبحت المكتبة جزءا اساسيا من ديكور المكان، حيث يتاح لرواده القراءة على وقع اصوات الغناء وروائح النرجيلة التي تعبق في جنبات المقهى.

لا تبدوا مكتبات تلك المقاهي حدثا ثقافيا بقدر ما هي ترويج للرواد يشكل اليساريون والمثقفون الجدد الاغلبية العظمى منهم.

اصحاب الاكشاك ينتقدون غياب الاماكن المخصص للمجموعات الثقافية الناشئة، لا يخجلون من الجلوس على الرصيف او الاعمدة الرخامية التي تفيض احيانا بعدد المشاركين فيطرون للوقوف او الجلوس على الأرض، محاطين بضوضاء المدينة، لكنهم يأملون بان تتطور المجموعات كما ونوعا لتتحول من مبادرات فردية الى مشاريع مؤسسية تسهم في صد الغزو الرقمي الذي يستهدف عبق رائحة الورق وتحافظ على جوهر المشهد الثقافي امام الاشكال الثقافية المستحدثة.

أضف تعليقك