أسئلتنا الغائبة

أسئلتنا الغائبة
أسئلتنا الغائبة
الرابط المختصر

مَن شنَّ الحربَ على مَن؟

أبدأ بهذه البساطة التي قد تبدو للبعض تبسيطاً لمسألة معقدة، أو سذاجةً لا محل لها لحظة أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه. "أنحن - المجتمع" مَن شنّها بعد دخول الأردن الائتلاف الدولي لمحاربة الإرهاب، وسقوط طيارنا الشهيد معاذ الكساسبة أسيراً لدى "داعش"، والأسلوب الأكثر نذالة في إعدامٍ هو اغتيالٌ عَلَنيٌّ وساديّةٌ عارية؟

مَن أوصلنا إلى هذه اللحظة؟

أهي حكومتنا الحالية، أم هي داعش الماثلة على نحو مباشر في إعلامها وإعلام العالم، أم أنّ مجموعة حواضن ومنشآت ومراكز تعبئة وتجهيز كانت قد باشرت في توليدها منذ عقود، وفي داخل مجتمعاتنا نفسها؟ في داخل أجهزتنا الرسمية: المرجعية الدينية، والمرجعية التعليمية، والمرجعية الرقابية، إضافة إلى المرجعية الأمنية طبعاً، المتغافلة (أي ليست الغافلة) جميعها عن منابر ومدارس ودروس التطرف الديني، الخالق بدوره كافة أشكال الدواعش ومسمياتها، المستندة إلى نصوصٍ بَشَريّة في التراث تتصف بالتعصّب للرأي الواحد بوصفه الوحيد الصحيح، والمؤدية بالتالي إلى تكفير سواها من المسلمين؛ فما بالنا بغير المسلمين!

باختصار: جميع تلك العناوين بجميع مَن تحملوا مسؤلياتها، ويتحملونها الآن، مَن شَنَّ الحرب علينا "نحن"؛ أي المجتمع المدني متعدد المكونات، المؤمن بالدستور كجامعٍ ولاحمٍ ومساوٍ بين جميع المواطنين في جميع الحقوق والواجبات؛ إذ هو ضمانة العقد بين هذا المجتمع والدولة. جميع تلك العناوين قامت بإدارة ظهرها للدستور، وتواطأت على الخطوات المتدرجة في تمزيق العقد، واجتهدت في تفسيخ النسيج الاجتماعي، وزرعت ألغام الفتنة والتفرقة، وبالتالي شَنّت الحرب علينا جميعاً بوصفنا "نحن/ المجتمع".

لم تهبط علينا داعش من كوكب بعيد مجهول. من بين ظهرانينا ولدت كاتجاه ورؤية حيال الحياة وحيال العالم وحيال نفسها، وأبناؤنا الذين ولدوا قبل عقدين باتوا هم جنودها لأنهم نتاج تغذية مكثفة أمدتهم بها مناهج تعليم رسمها بوعيٍ مسبق طرفٌ سياسيّ/ دينيّ منذ منتصف سبعينيات القرن المنصرم، وما يزال يمارس تأثيره المدمر وتحكمه في غير مؤسسة "علمية" تعليمية تدّعي الأكاديمية!

بصراحة: الإعلان عن رفض الإرهاب والتكفير كموقف مُعْلَن من الدولة والمرجعيات المتعددة لا يساوي، في قيمته الحقيقية، قطرة دم واحدة نزفها قتيلٌ مجهول أو معلوم، كان ضحية كل ما سبق. هذا إعلانٌ مجّانيٌّ عَبَثيٌّ وعابث ما دام الصمت يتواصل حيال المنابع الفكرية التكفيرية، والتغافل عن تدريسها كونها من التراث! فليس كلّ التراث واجب التقديس؛ فثمة خطايا كبرى تكمن فيه ما دامت كتبه مجرد فتاوى واجتهادات اجترحها بَشَرٌ خطّاؤون بطبيعتهم، وجاءت في أزمانٍ شروط حياتها ليست شروط زماننا.

كتب التراث الدينية (مرجعية داعش وأمثالها) تُقرأ بوصفها اجتهاداً بشرياً فردياً قابلاً للخطأ، مثلما هو قابلٌ للصواب، وبالمعيار النسبي أيضاً. كتب التراث الدينية ليست الدين نفسه، وليست هي مصادره الحقة. إنها مجموعة نظرات متعددة ومختلفة لنصًّ متفق عليه هو القرآن الكريم، وهو وحده الذي يوضع في مصاف المطلق لا النسبيّ.

والآن: مَن شَنَّ الحرب على مَن؟

ومِن أين نبدأ حرباً حقيقية وصادقة ضد التطرف والإرهاب، إذا كنّا حقاً نبتغي سلامة المجتمع، وكرامة المواطن، وأمن الوطن حيث بإمكان أفراده رؤية النورَ يبزغ في آخر النفق؟

 

  • إلياس فركوح: كاتب وروائي. حاصل على جائزتي الدولة التقديرية والتشجيعية في حقلي القصة القصيرة والرواية.

 

 

أضف تعليقك