"التوجيهي": سقوط النظام التعليمي

"التوجيهي": سقوط النظام التعليمي
"التوجيهي": سقوط النظام التعليمي
الرابط المختصر

 

إذا دققنا في نسبة النجاح المعلنة في امتحانات الثانوية العامة الأردنية لهذا العام، فلن تكون 40% التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم وفقاً لمجموع المتقدمين للامتحانات وهم قرابة 80 ألف، فعدد المسجلين الكلي تجاوز 128 ألفاً تخلّف منهم حوالي 50 ألفاً عن تقديم الامتحان، ما يعني أن نسبة النجاح لم تتجاوز 25% فقط.

وسواء اعتمدنا النسبة الرسمية أو الفعلية، فإننا أمام انحطاط مضطرد في قطاع التعليم؛ فالناجحون في "التوجيهي" لا تعكس معدلات (أغلبيتهم) مستواهم العلمي، وسينال ثلثاهم مؤهلاً جامعياً من إحدى الجامعات الأردنية بدرجة لا تمثّل تحصيله الفعلي أيضاَ. أما الراسبون في التوجيهي فسيحاول بعضهم إعادة الكرّة، وسيستسلم البقية وهم لا يمتلكون معرفة ولم يجر تأهليهم مهنياً، وسيدخلون سوق العمل متوجهين إلى قطاعات غير منظّمة وبأجور متدنية وساعات عمل طويلة وظروف عمل صعبة ومهينة.

تقديرات من جهات متعددة، تشير إلى أن 80% من الخريجيين الأردنيين غير مؤهلين للالتحاق بسوق العمل، وأن السبب الأساس والرئيس يكمن في ضعف مخرجات المؤسسة التعليمية، وعلى رأسها المدارس الحكومية التي لا يتمكّن سوى الأوائل فيها من ضمان فرص عمل لهم في المستقبل، وفيما يخص خرّيجي الجامعات (الحكومية والخاصة) فإن إمكانية التحاقهم بسوق العمل تتضاءل بشكل دائم، فالأرقام والنسب تثبت فشل 60% من خريجي هذه الجامعات في اجتياز اختبار الكفاءة الجامعية عند انتهاء دراستهم (مع ضرورة أخذ الملاحظات الجدية لتطوير هذا الاختبار).

ما يزيد الطين بلّة أن خريجي معظم التخصصات الدراسية يقضون سنوات في صفوف البطالة من دون أن يجدوا تدريباً يطوّر مهاراتهم ومعارفهم، ومع تباطؤ الاقتصاد الأردني في توليد فرص عمل في معظم القطاعات، فإنّ هؤلاء سيفقدون صلتهم بسوق العمل عما قريب، وربما خرج علينا مسؤولون في أجهزة الدولة يستنكرون عليهم طريقتهم في الاحتجاج وعدم التزامهم بـ"الآداب العامة"!

تُناقش مشكلة البطالة، غالباً، في إهمال متعمّد لبرامج التلمذة التطبيقية أو العملية المعروفة بـ Apprenticeships ، التي توّفر تأهيلاً مهنياً لأغلب الطلبة في أثناء دراستهم، فهناك برامج تدريبية للمحاسبين والمهندسين والصحافيين والقانونيين والإداريين والمعلمين وغيرهم من حملة الدرجات الجامعية، إضافة لتدريب أصحاب مهن الحدادة والنجارة والسباكة والزراعة ومجال السفر والسياحة.. الخ.

تستلزم التلمذة التطبيقية الجمع بين الدراسة والتدريب في مستواها الأول، ثم توفير تدريب متخصص ومعمق للخريجين، وتصنف دولة مثل ألمانيا 342 مجالاً مهنياً معتمداً لتلقي التدريب اللازم، وقد أهلّت أكثر من 75% من سكانها.

خبراء التعليم حول العالم يعلمون جيداً أنه لم يعد ممكناً الالتحاق بسوق العمل والتنافس فيه من دون الحصول على التأهيل المناسب، الذي تقدم الدولة جزءاً منه في مؤسساتها التعليمية، والباقي يتلقاه المتدرب في واحدة من الشركات التي ترعى وتنفق المال (بالتنسيق مع الحكومة) من أجل تأهيل عمال وموظفين بحسب احتياجات سوق العمل الدائمة أو المستجدة.

ربما يبدو هذا الحديث ترفاً، عندما ننظر إلى تردي التعليم الأساسي في الأردن، لكن الحقيقة المرة تقول بتراجع فرص الأردنيين من حملة الشهادات الجامعية في العمل في بلدهم أو في بلدان الخليج، وأن الغالبية الساحقة من طلبة التعليم المهني لا يستطيعون منافسة العمال الوافدين في سوق العمل الأردني.

إعلان نتائج التوجيهي يشكّل فضيحة وطنية تكبر كل عام، في ما لا تزال أنظمتنا بسلطتها الأبوية والوصائية على مواطنيها تعطّل التنمية مقابل تغوّل الأمن، وتتجاهل مطلقاً أن الثقة بالإنسان وتحسين معارفه وخبراته هي من ستبني الأوطان وتؤمّن ازدهارها!

 

محمود منير: كاتب صحافي. محرر "تكوين" في "عمّان نت".

 

أضف تعليقك