القمم العربية والقمم الأوروبية

القمم العربية والقمم الأوروبية
القمم العربية والقمم الأوروبية
الرابط المختصر

 

 

 

اعتذر العاهل المغربي، الأسبوع الماضي، عن استضافة بلده لمؤتمر القمة العربية، الذي كان مقرراً أن يُعقد في مدينة مراكش ما بين 29 إلى 31 مارس/ آذار المقبل.  وجاء تعليل القرار في بيان صدر عن الخارجية المغربية بما يلي: "نظراً للتحديات التي يواجهها العالم العربي اليوم، فإن القمة العربية لا يمكن أن تشكل غاية في حد ذاتها، أو أن تتحوّل إلى مجرد اجتماع ومناسبة".

 

اللافت أنه في اليوم نفسه، الذي أعلن فيه عن تأجيل القمة العربية، كان زعماء أوروبا في خضم إحدى أهم قممها التي ناقشت لساعات طويلة مطالبات المملكة المتحدة بإعادة النظر في انضمامها إلى الكتلة الأوروبية، الأمر الذي نتج عنه بعد مفاوضات شاقة قرار سيتم التصويت عليه في استفتاء شعبي حزيران المقبل.

 

القمم العربية، غالباً، ما تحمل الكثير من المظاهر والشكليات، وقليل من القرارات والمفاوضات الحقيقية بينما نظيراتها الأوروبية تُعقد من أجل حلّ الخلافات لا التهرب منها.

 

بحثٌ سريعُ عن القمم الأوروبية يظهر أنه منذ عام 1975 كانت تُعقد ثلاث مرات سنوياً، وما بين 1996-2007 أصبحت تُعقد على الأقل أربع مرات، أما بين 2008 و2015 فقد ارتفع معدل اللقاءات الأوروبية على مستوى القمة إلى سبع مرات سنوياً.

 

طبعاً قد يقول قائل إن الاضطرابات في العالم العربي ليست مثل أوضاع أوروبا، وإن هناك حروباً وصراعات أهلية في العديد من بلدانه، وإن بعض الأنظمة العربية متحالفة مع أحد أطراف النزاع في الدول التي تشهد اقتتالاً داخلياً.

 

يشكل العالم العربي تكتلاً من المفترض أن يكون أكثر تجانساً من حيث اللغة والثقاقة والقيم مقارنةً بالمجتمعات الأوروبية التي تتعدد فيها اللغات والإثنيات والثقافات.

 

كلنا نعرف أن الخلافات الأوروبية الداخلية أدت إلى حربين عالميتين، وأن الأجواء الحالية قد تكون نتيجة قناعة الأوروبيين بعدم جدوى الحروب وضرورة التفاهم والالتقاء للحوار، ولو أدى ذلك إلى السهر ليالٍ طويلة للخروج بتفاهمات متفق عليها.

 

لقد كان عقد القمة العربية موضوعاً خلافياً إلى أن تم إدخال مبدأ الاجتماع السنوي العادي من دون تأجيل للخروج من مأزق التهرب من المواجهات وحل المشاكل، لكن القرار المغربي يرجعنا إلى المربع الأول، ويعكس عمق المشكلة والمأزق الذي يعيشه عالمنا العربي، وافتقد فيه المواطن والمسؤول مبدأ تقبل الآخر والتعامل مع الواقع من دون محاولة فرض واقع جديد.

 

يعكس أسلوب تعاملنا مع المشاكل جزءًاً كبيراً من مشكلتنا الحالية التي يعلو فيها صوت المدفع والرشاش على صوت الحوار واللقاء والتفاهم.

 

لقد كشف الربيع العربي، وما جاء بعده، أزمات عميقة تنحر عالمنا العربي طالما كنا نرفض مواجهتها، والتعامل معها للخروج بحلول منطقية مدنية تجنبنا الخلاف والقتال.

 

من مبادئ الحوار والتفاهم واللقاء هو احترام الآخر، وتقبّل وجود أكثر من رأي حول مشكلة ما، والابتعاد عن فكرة احتكار طرف معين للحقيقة وللرأي من دون الاستعداد للاستماع للآخر والبحث عن حلول مشتركة.

 

لقد نما الاتحاد الأوروبي من سوقٍ مشترك إلى نظامٍ سياسي ومالي يضاهي التكتلات العالمية كافةً. ويشكل مبدأ الحوار والتفاهم وتقبل الآخر قاعدة أساسية سمحت لهذا التطور المذهل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن الماضي.

 

نحن في العالم العربي، وفي مؤسسة الجامعة العربية، بأمسّ الحاجة الى استنساخ هذا الأسلوب الناجع والمبني على مبدأ في غاية البساطة، وهو احترام الآخر والبحث عن القواسم المشتركة بدل الانقسامات التي تفرقنا.

 

 

داود كتّاب: مدير عام شبكة الإعلام المجتمعي. أسس العديد من المحطات التلفزيونية والإذاعية في فلسطين والأردن والعالم العربي.

أضف تعليقك