فصل الدين عن الدولة

فصل الدين عن الدولة
فصل الدين عن الدولة
الرابط المختصر

 

تزداد يوماً بعد يوم القناعة بضرورة تأكيد مبدأ أن يستمدّ نظام الحكم الديمقراطي سلطته من الشعب، وفي الوقت نفسه لا بأس أن تكون المرجعيات الدينية ملهمةً ومصدراً أخلاقياً مهماً للتشريع، لكن من دون احتكاره.

مجموعات عديدة تناقش مسائل مثل العلمانية وغيرها، إلاّ أن أساس النقاش يتمحور حول علاقة الدين بالحكم أو ما يطلق عليه مبدأ فصل الدين عن الدولة. فعندما يقال إن مصدر السلطة هو الشعب، وإن المواطنين متساوون بالحقوق والواجبات، فمن الضروري أن لا يجري السماح بإضعاف هذا المبدأ، وهو ما يحدث حين يتمّ إعلان دين للدولة أو اعتبار أن المصدر الوحيد للتشريع هو كتاب سماوي أو ديانة الأكثرية.

الأمر ليس جديداَ بالنسبة إلينا، والمشكلة نفسها تصارع عليها كثيرون عبر العصور، وقامت على أساسها حروب دينية أدت إلى القتل والاحتلال والدمار إلى أن اقتنعت الغالبية (الفاتيكان مثلاً لا يزال غير مقتنع) أن الحل يتطلب أسلوب حكم آخر.

لا يمكن القول إن المواطنين متساوون مع وجود مرجع آخر يعلو على مبدأ التساوي، فهو من شأنه أن يخلق خللاً دستورياً، وهذا يحدث عند حصول نقاش جاد حول قضية حقوقية يجب أن تسمو فيها المساواة، فيتذرع البعض بدستورية دين الدولة من دون أن يكون لذلك أي علاقة بإعلان عام حول الديانة الرسمية للدولة، معتبرين أن البند الثاني من الدستور الذي يحدد دين الدولة أهم من البند السادس الذي يعتبر الأردنيين متساوين بغض النظر عن الدين أو العرق.

تحديد ديانة رسمية للدولة ينتقص من حقوق فئتين مهمتين في أي بلد؛ الأولى وقد تكون كبيرة تتضمن من ولد من ديانة معينة، لكنّ وعيه قاده إلى تغيير ديانته إلى أخرى أو في الغالب التخلّي عن التقيد بأي ديانة، وتطلق هذه الفئة على نفسها اللادينيين، ومن الصعب معرفة حجمها كون موضوع العقيدة أمر خاص بين الإنسان وربه، ولا يمكن لأي طرف معرفة ما في ضمير أي واحد منّا.

المجموعة الثانية تشمل من ولد لأبوين من أتباع ديانة غير تلك التي تتبع لها الأكثرية وتسمى بالديانة الرسمية للدولة. صحيح أن الدول تحاول الحفاظ على هذا التنوع الديني بتوفير ضمانة للمشاركة السياسية من خلال كوتا لهذه الفئة قد تصبح عاملاً مميزاً بين المواطنين، لأنها تضمن لأفرادها (حتى ولو كانوا أيضاً لادينيين) مناصب قد تكون أكبر من نسبة المواطنين التابعين رسمياً لتلك الديانة. وبمجرد تحديد كوتا وجعلها تمثّل -ما يسمى خطأ- بالأقلية الدينية فإنّ التمييز ضمناً يطال أشخاصاً قد تكون لديهم القدرة والكفاءة، فيحرمون من تسلّم أعلى المناصب لانهم حصلوا على كوتا معينة في المجالس النيابية أو في مجلس الوزراء.

دمج الدين والدولة عبر الديانة الرسمية له دلالات سياسية وحزبية، فتعريف السياسة أنّها فن الممكن في حين تعرّف الديانة بالمواقف المطلقة غير القابلة للتفاوض، والسياسي المتزمت دينياً يصعب عليه التفاوض وتبادل الآراء وهو ما يتطلبه العمل السياسي البراغماتي.

السياسي الذي يعتمد في مبادئه على المواقف الدينية الثابتة سيواجه مشكلة، فقبوله بالتفاوض عليها يفقده براءته وهويته، ورفضه للتفاوض يجعله غير فعّال، إلا في حال حصوله على الأغلبية وفي تلك الحالة يصبح إقصائياً للآخرين (مشكلة "الإخوان المسلمين" في فلسطين ومصر وغيرهما من الدول عندما حصلت على الأغلبية في الانتخابات).

يبحث العديد من المثقفين العرب عن آلية للخروج من مأزق التحام الدين بالدولة في العقود الأخيرة، خاصةً بعد أن فرض داعش وغيره نظاماً حياتياً مبنياً على فهمه (المحدود ربما) لمتطلبات الدولة الإسلامية.

لا أعتقد أن الحل يكمن في تلطيف وتسويق الإسلام المعتدل كما يحلو للبعض. الحل بسيط ومثبّت في أنحاء العالم، من الغرب إلى الشرق؛ الدين لله والوطن للجميع.

 

داود كتّاب: مدير عام شبكة الإعلام المجتمعي. أسس العديد من المحطات التلفزيونية والإذاعية في فلسطين والأردن والعالم العربي.

أضف تعليقك