فيروز في زمن داعش

فيروز في زمن داعش
فيروز في زمن داعش
الرابط المختصر

 

يبدو أنّ الحبّ أصبحَ مجرد قصص في كتب، وحكايات تسردها روايات، ومجموعة مأثورات نتداولها، وجميعها تدلّ على زمنٍ مضى! زمن عاشه البعض منّا، وكان محظوظاً حينذاك، ولعلّه عثرَ على "وجه النَحْس" في ما بعد، أيّ الآن، حين بحثَ عن "ذاك الحبّ" ولم يجد له أثراً!

 

أهذا ما نعنيه هذه الأيام حين نردد، مشيرين إلى: الزمن الجميل!

آثار الحبّ واضحة جليّة. أو هذا ما أفترضه في حالاتٍ إنسانية أزعمُ أنها الأرقى، والأشَفّ، والأسمى، والأبلغ عن المعاني الجوهرية في الكائن البَشَري. وقد أكون مبالغاً في "مثاليتي" عند نَفَر من الناس، أو  في "رومانسيتي" عند نَفَر آخر، أو "متجنياً" على الواقع والحقائق الحياتية عند نَفَر ثالث. لكنّي، رغم هذا، أرى في الحشد الهائل لمفردة الحبّ وأشباهها ومثيلاتها، المنثورة بلا حساب في الأغاني بأنواعها، والكتابات الأدبية السريعة، الشعرية منها بخاصة، والرسائل المتطايرة من صفحات الفيسبوك لتستقبلها صفحات أخرى تزيدها عدداً وتبجيلاً؛

أقول: أرى في هذا كلّه حالةً من تزوير غير واعٍ عن حبّ مفقود لدى غالبية هؤلاء. أرى في هذا كلّه توقاً وعَطَشاً لعيش الحبّ كينونة تتحرك داخل مجتمع مُصابٌ بـ"انفصام" حيال هذه الحاجة الحيوية والأساسية بكل المقاييس. حبّ يُشعل في أصحابه نيران فهم الآخرين والقبول بهم، ويُنير لضمائرهم الحيّة الطريق ليتفهموا كلّ المختلفين عنهم، وجميع المختلفين معهم أيضاً.

 

عند انتفاء الحبّ من الحياة الداخلية للإنسان الفرد، يصير له أن يرتكب ما لا يخطر على بال من أفعالٍ هي مُدانة من حيث المبدأ. يصير له أن يهدم، قاصداً متعمداً وواعياً بالكامل، ما هو جميلٌ باذخ الجمال.. كفيروز! ما هو مُتَفَقٌ على نُبْله وسموه .. كفيروز! ما هي بمثابة تحيات الصباح المضمخّة بالخير والشمس والمطر الناعم.. كفيروز! ما أصبحَت إحدى أيقونات العرب القليلة الأكثر رسوخاً من كافة الزعماء، والجنرالات، والقادة، والأحزاب، والشعارات، ومشاهير المراحل، وراقصي حبال السيركات المتجولة ومهرجيها، إلخ.. كفيروز!

 

باختصار لا يَختصر: عند انتفاء الحبّ؛ يحدث أن يولد بيننا مَن يبتغي تشويه هذه الأيقونة المحفورة في ضمير العرب الجمعي، ويعمل على هدمها. أجيال تتابعت من صبايا وصبيان، من شابات وشباب، من طالبات وطلاب مدارس وجامعات، من نساء ورجال، من عجائز وكهول، من جدات وأجداد.. ثم توالت أحفاداً يتناسلون وحليب شفاههم الطفلة يمتزج بسُكَّر أغاني فيروز وعسلها الحلو!

 

سيُكتَب الكثير عن الدوافع "الخفيّة" لحملة التشويه والتشهير بفيروز، التي قامت بها مجلة "فنيّة" لبنانية، والسياقات الخاصّة ذات الأبعاد الشخصية الضيقة لا بُدّ. وهذا ليس مهماً في ذاته على أهميته؛ إذ ثمّة ما أراه أساساً وتأسيساً يتجاوز المجلة إيّاها ومَن يقف وراءها.

 

الأساس، كما أراه، يتمثّل في تحلل منظومة القِيَم التي بموجبها رُسِمَت المعايير الأخلاقية. المعايير التي وفقاً لحدودها يتجلّى الفارق بين الصواب والخطأ: بين الخير والشر: بين المقبول والمنبوذ: بين تأنسّن الإنسان وتَوَحشُّه: بين أن يكون رحباً مستقبلاً مُضيفاً من جهة، أو ضيقاً صادّاً لاغياً من جهة أخرى.

 

الأساس، كما أراه، يتمثّل في الانفتاح على كلّ الآخرين كي يُصار للمعرفة حقها في فرز شوائب التراب عن حفنة التِبْر. وهذا يعني، في هذه اللحظة تحديداً من تاريخنا المضروب بألف لعنة، الوقوع على الجوهر المطرود من حياتنا كمجتمعات إنسانية: الحبّ.

 

فأنْ يُطرد الحبّ من حياتنا يعني، ببداهة البديهيات، أن نخلق منا وحوشاً. وحوشاً نطلق عليها "كائنات بلا أخلاق". وحوشاً تطلق على نفسها "داعش" وأخواتها!

 

وهكذا يصير لنا أن نفهم الحملة على أيقونتنا فيروز بوضعها داخل سياق "زمن داعش"!

 

إلياس فركوح: كاتب وروائي. حاصل على جائزتي الدولة التقديرية والتشجيعية في حقلي القصة القصيرة والرواية.

أضف تعليقك