قصتنا الكبيرة

قصتنا الكبيرة
قصتنا الكبيرة
الرابط المختصر

في هذه الأيام العصيبة يتجلى خوف الأردنيين على وطنهم بكظم الغيظ وتوحيد صفّهم وخطابهم، مؤجلين مطالبهم وتذمرهم وانتقاداتهم التي عادة يصدحون بها في أوقات أكثر رخاءً. إلا أن هذا لا ينفي وجود أزمة عميقة يجب على صانعي القرار التصدي لها من دون تأخير.

على مدى أعوام جرى العمل بقصد أو بغير قصد على سلوك الشعب الأردني، وإعادة برمجة القيم التي يحملها. فأصبحنا نلمس قسوة القلوب التي نمت بفعل الضربات المتتالية ونفاذ الصبر، وتجلي فقدان الثقة بالقانون والمطالبة بإهداره في سبيل إحقاق العدل، كما يراه الشارع المشتعل غضباً وإحباطاً. وبتنا نسمع الأصوات المطالبة بالسفك والبطش والاقتصاص من المجرمين أو المخطئين أو حتى المختلفين خارج إطار منظومة العدالة.

خلال أزمة شهيد الوطن المرحوم معاذ الكساسبة تعالت الأصوات المطالبة بالانتقام والاقتصاص بالأساليب ذاتها التي استخدمها التنظيم الارهابي، ولعل كلمة "أحرقوهم" كانت الكلمة الأكثر انتشاراً عند ذكر المحكومين من التيار السلفي أو المدانين بالإرهاب. ولم يكن هناك متسعاً للتذكير أن الأردن دولة يسودها القانون، ولا يجوز أن تنجر للتصرف بوصفها عصابة إجرامية، مهما بلغت فداحة وبشاعة الجرم المرتكب.

وتتبدى مظاهر الكفر بمفاهيم الدولة وسيادة القانون في كل أزمة يمر بها الأردن، فقناعة الفرد أن الحل هو وصاية الدولة عليه في مختلف مفاصل حياته، واستعداده لإهدار الدستور والقانون بشكل طوعي يتكرر في أكثر من مشهد.

تتعقد الأزمات وتتكرر، وتتعاظم الحاجة للعودة للتعريف الحقيقي للوطن والمواطن، والعودة للمفاهيم التي تقوم عليها دولة المواطنة والقانون؛ دولة يشكلها الدستور ويحكمها. وتتنامى الضرورة لأن يدرك الأردنيون أن ما يحميهم هو سيادة القوانين التي يطالبون بإهدارها.

لقد استمعت إلى جزء من أوبريت غنته السيدة فيروز بعنوان "قصتنا الكبيرة" يتحدث عن الأردن، والمحزن أن هذا الأوبريت كان ضائعاً بين تسجيلات التلفزيون الأردني فترة طويلة. ويتجلى سحر القصيدة في هذا الأوبريت أنها تصف بكل رقي أردننا الذي نحب؛ أردن يساهم فيه الجميع، يكتب كل فرد فيه حرفاً من تاريخ وطنه من خلال العمل أو العلم أو الزراعة أو البناء. ولا تغفل القصيدة أهمية الجيش الذي يسطر قصص الفخر فتعطيه دوره تماماً كما أعطت العامل والمزارع والطالب..

ما نحتاجه يتمثل في العودة إلى الرؤية التي كتبت هذه القصيدة في نهاية الستينات من القرن الماضي، حيث الدولة يكون كل مواطن فيها بطلاً في مجال عمله ويؤدي دوره لا طمعاً في ثواب ولا خوفاً من عقاب. دولة ينتمي لها الجميع ويقبل فيها الجميع الآخر شريكاً له على اختلافه، ولا مكان فيها للتمييز على أساس ديانة أو أصل أو مصالح، فكلنا نكتب قصتنا وكلنا سطورها وحروفها والكتاب.

 

  • هديل عبد العزيز: ناشطة حقوقية. عضو مؤسس والمديرة التنفيذية لمركز العدل للمساعدة القانونية.
أضف تعليقك