"كهنوت".. أيضا

"كهنوت".. أيضا
"كهنوت".. أيضا
الرابط المختصر

 

من هم الذين يصنعون الكهنوتَ الإسلاميّ في بلادنا؟ ما هذا التناغمُ الجديدُ بينَ دائرة الإفتاء، ووزارة الأوقاف، وهيئة الإعلام. هل من جهةٍ رابعة، لديها رأيٌ أكثرُ فقراً، فقررت أنَّ المشتغلين في الوظائف الدينية "رموز" لا يجوزُ انتقادُ خطابهم، وحتى ما ينتجونه من آراء، وفتاوى. هذه سلطةٌ قديمة - جديدة، تُعيدُ إنتاج مفعولها بقوة، ولكلِّ سلطة حلفاء ومصالحُ وأهدافٌ واضحة.

بسبب "الرموز الدينية"، أوقفت هيئة الإعلام برنامجاً على إذاعة "صوت الغد" للزميلة ديالا الدبّاس، واتهمتها بـ "الإساءة إلى مفتي المملكة عبد الكريم الخصاونة، وللدين الإسلامي، بشكلٍ عام. وفقاً للهيئة التي رأتْ أنّ الدباس خلطت بين مفهوم المذهب السنّي، والسنة النبوية التي اتكأ إليها المفتي في فتواه عن جواز تعزية "غير المسلمين".

الدباس بدأت حلقتها بالعودة إلى ابن رشد، ومقولةٍ دقيقةٍ عن تغليفِ التجارة بالدِّين، ورأتْ أنه من المعيب أنْ تحتاج العلاقةُ بين الأردنيين مسلمين ومسيحيين إلى فتوى من ذلك النوع، وتحدَّثت عن قيم التسامح والعيش المشترك، وتساءلت عن ما طرأ على تلك العلاقة، وكيف بات يهددها الفهمُ الظلاميُّ للدين.

لم تقل الدباس كلمةً واحدة، تنطوي على إساءة للمفتي والإسلام. ولا يحتاجُ رأيها في موضوع المرجع الفقهي للفتوى، سوى توضيح بسيط من دائرة الإفتاء، يُشيرُ إلى أنها من السنة النبوية، وليست تعبيراً عن بُعد طائفيّ، من دون وقف البرنامج، وتوجيه إنذار للإذاعة، فهذه قسوة غير مبررة، ويُطلُّ منها تحذيرٌ ضدَّ النقد، وتتضمَّن رسالةً تؤكدُ حصانةَ الموظفين الدينيين من الاعتراض والمراجعة والمخالفة.

ربما، أننا نحتاجُ إلى الرجوع إلى البدهيات والأساسيات في حقِّ الإعلام والنَّاس بمناقشة الدين، والحديث فيه بسقوفٍ أعلى من المنع والتكفير، والأهم أعلى من الاحتكار. لا أحدَ يُرِيدُ الإساءة للأديان. الناس يريدون رؤيةَ دينهم، دون حواجزَ.

أفتت هيئةُ الإعلام بوقف البرنامج جزاءً، وهذه فتوى سياسيّة في كلّ الأحوال، وتتعلق بحرية الرأي والتعبير، وَإنْ كان مضمونها دينياً، مُغلَّفاً بالإطلاق والتعميم، شأن خطاب السلطة غالباً. فلا يُمْكِنُ لاستماعٍ عادلٍ ونزيه لحلقة البرنامج إلا أنْ يصلَ إلى أنَّ الأمرَ ليسَ أبعدَ من رأيٍ، ولم يستخدم دلالةً صريحةً أو ضمنية، يُمْكِنُ حملها على الإساءة للمفتي، وقطعاً لا إشارة، من أيّ نوع، تتعرضُ للإسلام.

لماذا المنعُ والإنذار. ولماذا يحقُّ لهيئة الإعلامِ تفسيراً قطعيّاً، يُخوِّلها الإجراء؟. هذه التقنية جديدة علينا، وسبقتها دعوةُ وزارة الأوقاف لمحاربة ما أسمتهُ بـ"الإلحاد والانحلال وداعش"، ثمَّ أن الفتوى ليست قانوناً، ومن يحاول رفع قوتها فوق القانون، فهو يسعى إلى دفع البلاد نحو تهديد وفوضى، لا نهايةَ لهما.

لا كهنوتَ في الإسلام. إلزموا ذَلِكَ حداً لكم، وعبّروا عنه، دون تغليف. أنتم موظفون تؤدونَ وظيفةً دينية، وذلك يختلفُ عن الدور. لا قداسةَ أبداً، ولكم أخطاؤكم. وإذا كانت القوانينُ توفّر لكم حراسةً من النقد والنقاش، على حساب كثيرين، فأقلُّ ما تفعلونه هو الالتزام بحدود الوظيفة، فالحراسةُ لا بدَّ أنْ تزولَ نهائياً. لا بدّ أنكم تعرفون تاريخَ الأمم الأخرى، وكيف انتهى القساوسةُ والكرادلة إلى الصلوات والتراتيل والشموع..

 

*  باسل رفايعة: صحافي أردني، عمِل في صحف يومية محلية وعربية.

أضف تعليقك