هل تجاوز الأردن إخفاء المعلومات عن الرأي العام؟

هل تجاوز الأردن إخفاء المعلومات عن الرأي العام؟
هل تجاوز الأردن إخفاء المعلومات عن الرأي العام؟
الرابط المختصر

 

 

في معرض دفاعه عن الموقف الحكومي بضعف تطبيق قانون الحق في الوصول للمعلومات قال الناطق باسم الحكومة الوزير محمد المومني إن "الأردنيون تجاوزوا مسألة إخفاء المعلومات عن الرأي العام" خلال مناظرةٍ أقامتها منظمة اليونسكو بمناسبة يوم حرية الصحافة حول ضرورة تدفّق المعلومات وحق المواطن (وليس فقط الصحفي) في الحصول عليها.

 

أقوال الوزير صدرت رغم إقراره بوجود تفاوت في تعامل ناطقين باسم الوزارات المختلفة مع الإعلام؛ بعضهم متعاون خلافاً لبعضهم الآخر. وقد حاول الوزير جاهداً إبراز تقدّم الأردن ولو تدريجياً في مجال حرية التعبير، منكراً وجود فجوة بين أقوال المسؤولين وأفعالهم، إذ يرفض الملك إيقاف الصحفيين على أساس ما يكتبونه، بحسب قوله، في حين جرى اعتقال عشرة صحفيين عام 2015، كما ورد في تقرير الحريات الإعلامية لمركز حرية وحماية الصحفيين.

 

يرى الوزير أن على الصحفي العمل على بناء الثقة مع المسؤولين لكي يحصل على المعلومة، وقد أيّدته الصحفية السابقة النائب خلود الخطاطبة رئيسة لجنة التوجيه الوطني، التي قالت إنها عملت جاهدة حين كانت صحفيةً على تحسين علاقتها مع المسؤولين، وهو ما ساعدها في الحصول على المعلومات التي كانت تريدها. وقد تفسّر هذه الآراء قلّة قيام الصحفيين بطلبات للحصول على المعلومات كونهم يستطيعون الحصول عليها من خلال تحسين علاقتهم مع الوزراء والمسؤولين!

 

يعارض هذا التوجه مبدأان مهمان؛ أن الحق في الحصول على المعلومات، الذي كان الأردن أول دولة عربية شرّعته يؤكد أن الحق يختلف عن فكرة الحصول عليها على أساس بناء الثقة (والذي يتضمن بصورة غير مباشرة ممارسة الصحفي للرقابة الذاتية الأمر الذي تؤكده الدراسات المختلفة). وقد يكون ضعف القانون الأردني الذي يفتقد إلى أسنان تجبر المسؤولين التعاون مع طلبات الحصول على المعلومات السبب الرئيس الذي أدى إلى تقييمه بمرتبة أسوأ 98 قانوناً من القوانين الـ 103 التي قامت مؤسسة القانون والديمقراطية الكندية بتقييمها، كما جاء على  لسان مؤسسها الخبير توبي مانديل في الاحتفال نفسه في يوم حرية الصحافة.

 

الأمر الخطير في دعوة الصحفيين تحسين علاقتهم مع المسؤولين من أجل الحصول على حق المواطنين في المعلومات هو تجاهل انضمام الأردن لتحالف الحكومة المفتوحة، والذي كان أول دولة عربية انضمت إليه رغم أنها لم تطبق غالبية المبادئ المنضوية تحت هذا التحالف.

 

ومن أهم أساسيات فكرة الحكومة المفتوحة هي ضرورة تدفّق المعلومات الطوعي من الحكومة إلى المواطنين من دون انتظار الطلبات في هذا الخصوص. فمن التزامات الدول الموقّعة على التحالف أن تبادر هي بانسياب المعلومات بصورة شفافة وكاملة وسريعة لكي يكون دافع الضريبة في معرفة ما يجري في بلده ولأمواله الضريبية.

 

لقد ورث محمد المومني كما قال في مناظرة اليونسكو بيئة حكومية مشكّكة ومتخوّفة وغير واثقة من دورها في الإفصاح عن المعلومات والسماح بتدفقها، خاصة أن قانون أسرار الدولة المؤقت لعام 1970 لم يجر تعديله أو تطويره أو تثبيته كقانون دائم رغم تجاوز المدّة المحددة من الدستور لمعالجة كافة القوانين المؤقتة.

 

تبين مؤخراً تورّط العديد من وزراء ورجال أعمال في قضايا تهرّب ضريبي وتضارب مصالح من خلال إنشاء شركات "أوف شور" سرّية، إذ أزيلت السرية عنهم بكشف "أوراق بنما" التي نشرها راديو البلد وموقع عمّان نت، واعترف بها العديد من المعنيين، وتتوفر على الشبكة العنكبوتية كافة تفاصيل تلك الوثائق الدامغة.

 

الحكومة الأردنية بكافة أركانها، بما فيها الناطق باسمها، لم تعلّق أو تعلن عن تحرّك حكومي يوضح للجمهور موقفها من أشخاص ومسؤولين سرقوا من حقوق الوطن في عدم دفع الضريبة. كما لم يتم إعلام الجمهور بأي موقف قانوني للحكومة المفترض أن تكون ساهرةً على الدفاع عن الدستور من تهمة مخالفات قانونية. وفي حالة رئيس الوزراء السابق علي أبو الراغب فهي تخالف البند 44 من الدستور الذي يحذّر الوزراء إقامة شركات أو أي تعاملات مالية خلال وجودهم في الحكومة. علماً أن أبو الراغب أسس شركة في جزر العذراء البريطانية في 22 تموز 2003 في حين أنه غادر رئاسة الوزراء في 20 تشرين الأول من العام نفسه، ولم ينكر ذلك في حديث صحفي مع الزميل مصعب الشوابكة.

 

ولم تعلن الحكومة بعد ما إذا أوعزت لوزارة العدل بفتْح مغلّفات الذمة المالية للوزراء التي تدور حولهم الشبهات، في حال التزم رئيس الوزراء والوزراء أساساً بقرار إيداع ذمتهم المالية في مغلّف يبقى مغلقاً لغاية وجود اشتباه بالفساد كما هو الحال الآن.

 

قد تكون حكومة النسور صادقة في قولها إنه لم تحدث أي عملية فساد كبيرة في عهدها، لكن إفصاح المعلومات والوثائق القديمة، خاصة إن كان هناك شبهة مخالفات وفساد هي من مسؤوليات الحكومة النافذة، التي تعزز أقوالها، وتشكل عاملاً مشجعاً للإعلاميين والمجتمع المدني والأحزاب والنقابات والنشطاء الملتزمين لمحاربة الفساد خدمة للوطن وحفاظاً على المال العام.

 

داود كتّاب: مدير عام شبكة الإعلام المجتمعي. أسس العديد من المحطات التلفزيونية والإذاعية في فلسطين والأردن والعالم العربي.

أضف تعليقك