هل تُلغى دائرةُ الإفتاء؟

هل تُلغى دائرةُ الإفتاء؟
هل تُلغى دائرةُ الإفتاء؟
الرابط المختصر

"ما حكمُ أمٍّ تعملُ السحرَ لولدها وزوجته، حتى يكره زوجته"؟

تُصنّفُ دائرةُ الإفتاء العام هذا السؤال على موقعها الالكترونيّ تحت عنوان: مشكلات اجتماعيّة ونفسيّة، ويُجيبُ المفتي بأنّ هذا "هذا العملَ محرّمٌ، وهو من الكبائر، ومن السبعِ الموبقات، وعلى الأمّ التوبةَ والاستغفارَ والندمَ والرجوعَ إلى الإسلام".

هذا مجرّدُ مثالٍ على الجهد الحكوميّ الدينيّ المبذول في هذه الوظيفة. وهو جهدٌ تترتّبُ عليه كلفةٌ ماليّة، عدا عن المحتوى الذي أصبحَ مجالاً واسعاً للتندٌّر على وسائل التواصل الاجتماعيّ، وتوفّرهُ الدائرةُ بسخاءٍ شديد، فثمّة فتاوى عن حكم أكل كبد الخروف نيئاً، وعن نتفِ حواجب النساء. وثمة مَنْ يسألُ عن الخادمة، وهل تُعتبرُ من مُلك اليمين. وكذلك عن جواز سماعِ الأغاني الوطنية.

تحاولُ دائرةُ الإفتاء في إجاباتها، وفي صياغتها الفتوى عموماً إلى تكييف القضايا والمستجدّات، مع مقتضيات الشريعة، والاجتهاد والقياس، لكنها تضطرُ دائماً إلى الحسم في التحريم والتحليل، والجواز وعدم الجواز، فالمحتوى الدينيُّ في جوهره الاصليّ، وجذره العميق في النصّ لا يُمكنُ تعديلُه، وإنْ كانَ من الضروريّ أنْ يُوضعَ في مستوياتٍ من الفهم والتأويل والتحليل، ليكون قادراً على بناء مقارباتٍ مع الواقع المعاصر.

"الفتاوى المُختصرةُ" المنشورةُ على موقع الدائرة تصلُ إلى 593 فتوى، في العبادات، والعادات، والعقيدة، وفقه الأسرة، والمُنجيات، والمُهلكات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكّر، وغيرها، ومن الشائع أنْ يجدَ المتصفّحُ كثيراً من التساؤلات والمشكلات والبدهيّات التي يعالجها القانونُ العام، مثل حُكم بثّ الشائعات على الانترنت، والغشّ في التوجيهي. أو التي "يُحلّلها" القانونُ، وتحرّمها الشريعة، كبيع المشروبات الكحولية، والتعاملات المالية مع البنوك غير الإسلامية.

إجمالاً، فإن الفريقَ المشرفَ على الإفتاء يضطرُ إلى التعامل مع "خدمة الجمهور"، كما لو أنّ الدائرة تتبعُ إلى دولة دينية، تُطبّق الشريعة الإسلامية، وتعيشُ في غير القرن الحادي والعشرين. أليس نشرُ سؤال عن الخادمة ومُلك اليمين مظهراً كوميدياً على دور المؤسسات الدينية الرسميّة، ويطرحُ أكثر من سؤالٍ عن وجودها، وجدوى الإنفاق عليها من المال العام. وهذه ليست المشكلة الوحيدة، فالدولةُ برعت في توليد هيئات وهياكل حكومية، لا ضرورة لها، أثقلت القطاع العام، بحيث بات مفرط البدانة، وقليل الحركة، والإنتاج.

الأمرُ يتصلُ بفهم الدولة للتعليم والثقافة والتنشئة. وهل تريدُ فعلاً التعافي من الفصام بين القانون، والمحتوى الدينيّ عموماً. هل تحتاجُ الدولةُ والمجتمعُ إلى فتوى تُحرِّمُ جرائم الشرف، أم إلى قانونٍ يعالجُ هذه الكارثة جذريّاً. هل من الذكاء أن نجدَ فتوى رسمية تُحرِّمُ الموسيقى، وفي الوقت نفسه، نُدرّسها في مدارسنا، ونقيمُ لها مهرجانات. هل نريدُ القانونُ مرجعاً أساسيّاً ووحيداً يُنظّمُ حياتنا. أمْ أنّ علينا أنْ نُعيدَ القانونَ نفسه إلى ثنائية الحلال والحرام؟!

"ما حكمُ تناول الطعام عند المسيحيين، إذا عُلِمَ أنّ مصدرَ رزقهم من بيع الخمور". الفتوى المنشورة، تقولُ: لا يجوزُ الأكلُ من عند مَنْ يكسبُ عن طريق الحرام". أي أنّ هناك مُسلمين أيضاً يكسبون عن طريق "الحَرام" بدلالته الشرعية، مثل الذين يعملون في البنوك الربويّة، ومتاجر بيع الكحول، فما هذا الارتباك، وما الحكمةُ من زجِّ المسيحيين في هذا الشأن. ثمّ "هل يجوزُ للمرأة المسلمة كشفَ شَعْرها على المرأة المسيحية". يُفتي المفتي بأنّ "المعتمدَ عدم الجواز". وهذا موجّهٌ للطالبات المسلمات في المدارس والجامعات اللواتي تُدرّسهنَّ معلماتٌ مسيحيّات!

لا لومَ على فريق الإفتاء.  فهو لنْ يستطيعَ الخروجَ على مُنجزٍ نهائيٍّ منذ قرونٍ بعيدة. الدولةُ عليها أن تسألَ نفسها عن هويّتها، وعن دستورها، وقانونها، ونظامها التعليميّ، قبلَ أنْ نكتشف من الفتاوى أنّ الدولةَ تكرهنا، أو أننا شعبٌ "معمولٌ لهُ عَمَل"..

 

باسل رفايعة: صحافيّ أردنيّ، عمل في صحف يومية محلية، وعربية.

أضف تعليقك